الأربعاء، 23 مارس 2022

Lost Illusions 2021

 

إلى أولئك الذين يجب أن يجدوا شيئاً ما في أنفسهم بعد خيبة الأمل..

Lost Illusions

 


الأديب الفرنسي "أونوريه دو بلزاك" هو واحد من أبرز الأدباء في التاريخ، ومؤلّفاته لاقت انتشاراً واسعاً على امتداد قرنين من الزمن، ومنذ نشأة السينما تم تحويل معظم رواياته إلى أفلام فرنسية وأوروبية وعالمية، بالإضافة إلى العديد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية.

 لا أُخفي عليكم أن الأعمال الأدبية ليست جميعها قابلة للتحويل إلى السينما، وروايات "بلزاك" تحديداً تحمل ثقلاً أدبياً مُرهقاً، ومن الصعب أن نقرأها في السينما، و"بلزاك" يمتلك قدرة رهيبة في التوغّل في النفس البشرية بشكل يصعب حتى على الممثلين تجسيد شخصياته العميقة والمعقّدة.

كما أن رواياته زاخمة بالأحداث والشخصيات، ومن الاستحالة تحويلها إلى فيلم سينمائي دون المساس بجوهرها، ناهيك عن ذكر أنها غالباً تكون طويلة جداً ومقسّمة على أجزاء، وأي كاتب نصوص سيكون مضطراً للتضحية بالكثير من الأحداث والشخصيات من أجل كتابة النص السينمائي لفيلمه، ولذلك أغلب الاقتباسات تفشل أو لا تعطي الرواية حقّها، فبالتالي فضّل صنّاع الأفلام الابتعاد عن أعمال "بلزاك" لتجنّب الوقوع في الفخ.



رواية "أوهام ضائعة" التي كتبها "بلزاك" صدرت على 3 أجزاء، بين عامَيْ 1837 و1843، وعدد صفحاتها يتجاوز 700 صفحة، وتعتبر من أقوى أعماله على الإطلاق ضمن سلسلته "الكوميديا الإنسانية". الجزء الأول: "الشاعران"، والجزء الثاني "رجل كبير من المقاطعات في باريس"، والجزء الثالث "آلام المبتكر".

بالطبع سيكون أمراً شاقّاً جداً بتحويل تلك الرواية الدسمة إلى فيلم سينمائي، حيث على امتداد القرنين لم يجرؤ أي صانع أفلام على اقتباس رواية "أوهام ضائعة"، على خلاف روايات أدبية شهيرة تحوّلت إلى عشرات بل مئات الاقتباسات السينمائية والتلفزيونية، مثل "نساء صغيرات" و"أوليفر تويست" و"آمال عظيمة" و"كبرياء وتحيّز" و"البؤساء" و"أحدب نوتردام" و"الكونت مونت كريستو" وغيرها الكثير والكثير.

أنا لا أنتقص من تلك الروايات، بل على العكس تماماً، فأنا أعشقها وأعشق معظم الأفلام المقتبسة منها، ولكن تلك الروايات كانت جاهزة على طبقٍ من ذهب لأي صانع أفلام، ولم تكن مقسّمة على أجزاء أو ضمن سلسلة مثل رواية "أوهام ضائعة"، والدليل على ذلك، كما ذكرت، أنّ هذه الرواية لم تخضع لأي اقتباس سينمائي من قبل.



الكاتب والمخرج الفرنسي "كزافييه جيانولي" وزميله الكاتب "جاك فيشي" قاما أخيراً بعملٍ مدهش وجريء باقتباس الرواية، وكم كانت المهمة صعبة وشبه مستحيلة، بحيث ركّزا على الجزء الثاني منها في صياغة النص السينمائي والحوارات، وتخطّي بعض الأحداث من الجزء الأول والجزء الثالث، والنتيجة كانت فيلم سينمائي مدته تصل إلى ساعتين ونصف.

فيلم "أوهام ضائعة" هو أجمل فيلم فرنسي شاهدته في حياتي، ومن أفضل الأفلام على الإطلاق، فقد كان متكاملاً جداً، ومذهلاً ورائعاً وعظيماً، والاقتباس السينمائي للرواية على يد "جيانولي" و"فيشي" لا تشوبه شائبة، وأفضل ما يمكن أن يكون، وأضمّه إلى قائمة أفضل الاقتباسات الأدبية في السينما.

لقد تمكّنا من اختزال جوهر الرواية بشكل مذهل دون المساس بمضمونها وهدفها، وطوال مدة الفيلم لم أستطع أن أحرّك رأسي من أمام الشاشة، فكل ثانية من الفيلم تم استغلالها باحترافية وإبداع، دون أيّة لحظة ضائعة من الحشو والإسهاب، بل كنت أتوق للمزيد من الوقت مع هذا الفيلم اللذيذ الذي جمع كل العناصر التي أعشقها في الفيلم السينمائي المثالي بمقاييسي الخاصة.



تدور أحداث القصة في فرنسا في القرن التاسع عشر مع "لوسيان شاردون" أو "لوسيان دو رومبريه" كما يحب أن يسمّي نفسه. "لوسيان"، ذلك الشاب الوسيم والحالم والطموح والمندفع، الذي بقصائده الشعرية يأسر قلب سيدة نبيلة تُدعى "لويز دو بارجتون". إنه يحبها بصدق، وهي أيضاً يبدو أنها تبادله نفس المشاعر، ولكنها بالطبع خاضعة لقيود المجتمع المخملي.

يفتتح الفيلم مَشاهِدِه بشكل بديع، وبصوت راوٍ يسرد علينا قصة "لوسيان" قائلاً: "بالنسبة لـ لوسيان، كل شيء بدأ بالحبر، بالورق، وبطعم الجمال. يتيماً بلا ميراث، وكان عليه أن يتعلّم مهنة من أجل البقاء على قيد الحياة. تزوّجت أخته أيف من عامل في مطبعة في أنغوليم، فكان يعمل في تلك الورشة المتواضعة، حالماً بحياة أخرى".


"لوسيان" يحلم أن يكون كاتباً كبيراً وشهيراً، وسقف طموحاته وشغفه يفوق الحياة الريفية التي يعيشها والمهنة الذي يمارسها، وبمساعدة عشيقته النبيلة "لويز دو بارجتون" تتاح له الفرصة كي يظهر موهبته إلى العلن، ليذهب بعدها إلى باريس لمطاردة أحلامه.

كيف يمكنه أن يصمد في باريس التي أصبحت جامحة بعد الثورة ونشأة العصر الحديث، حيث صراع الأفكار والمبادئ، وانقسام المجتمع بين الملكيين والمعارضين. "لوسيان" البريء لا يعلم أنه دخل إلى الجحيم من أوسع أبوابه.

هذه باريس في أشنع عصورها، حيث الفساد والانحلال، والخسّة والدناءة، وانعدام الضمير والمشاعر. ما كتبه "بلزاك" على الورق وما صوّره "جيانولي" على الشاشة كان شيئاً مخيفاً ومروّعاً، فالقصة تكشف لنا باريس عارية تماماً، كامرأة فاسقة تغوي "لوسيان" في ملّذاتها حتى بات أسيرها وتحت قبضتها.



لقد ذكّرني هذا الفيلم بفيلمي المفضّل "Amadeus" من نواحٍ كثيرة، ابتداءً بالبطل. "وولفغانغ أماديوس موزارت" و"لوسيان دو رومبريه" كلاهما شابّين موهوبين ومخبولين وصلا إلى قمة النجاح والمجد والشهرة، ثم تم سحقهما من قبل المجتمع المخملي والنظام الطبقي. كلاهما يبدوان مغرورَيْن وساذجَيْن وبريئَيْن وتملأهما الثقة بالنفس، وفي لحظةٍ ما نشعر أنهما يستحقان ما سيحدث لهما، ثم في النهاية نشفق عليهما!! الحقبة الزمنية قد تكون مختلفة، ولكن البيئة هي ذاتها والمجتمع المخملي نفسه تماماً، سواءً في فيينا أو في باريس، وكذلك الوسط الفني والأدبي، والحفلات الراقصة.

الراوي في فيلم "Amadeus" والراوي في هذا الفيلم هما تجسيد لنفس الفكرة. الراوي في كلا الفيلمين هو ندٌّ للبطل، يحبّه ويغار منه، ويحترمه ويحسده، ويريد أن يسحقه ولا يريد إيذاءه. إنه يحمل كمّاً هائلاً من التناقضات التي تجعل القصة أكثر تشويقاً، فكم أستمتع بهذه الشخصيات المتناقضة في الأدب والسينما.


حبكة القصة الرئيسية تنطوي في قوة الصحافة وألاعيبها وتأثيرها، وفي الحقيقة هي تُحاكي أيضاً زمننا الحاضر بشكل أو بآخر، فالصحافة كانت الوسيلة الإعلامية الوحيدة آنذاك، ونحن اليوم لدينا شتّى وسائل الإعلام من التلفزيون والإذاعة وتطبيقات التواصل الاجتماعي العديدة.

مثل الحياة في المحيطات والبراري، حين نرى القوي يأكل الضعيف، ومن يملك المال الأكثر يستطيع بيع وشراء كل شيء، سواءً الأشخاص أو الآراء أو الذمم. باريس كانت تعيش حرباً تنافسية صحفية بين الصحافة الحكومية الملكية والصحافة الصفراء الليبرالية الجدلية في جوٍّ أقرب للمافيا، حيث الرشاوي والمؤامرات الانتهازية والصداقات الزائفة.


لم تكن الحياة في باريس جنّة كما تخيّلها "لوسيان"، فعشيقته النبيلة "لويز دو بارجتون" تخلّت عنه بعد أن شجّعته للذهاب إلى هناك، ولذلك هو يبحث عن لقمة العيش، وسيقبل بأيّة وظيفة لائقة تدرّ عليه مبلغاً محترماً ومركزاً لائقاً، وحين يبدأ العمل في صحيفة من تلك الصحف المُعارضة التي تمثّل رعباً للنبلاء والكُتّاب والفنانين والسياسيين وغيرهم، تنقلب حياته رأساً على عقب، فلا أحد منهم يريد أن يُكتَب عنه مقالاً نقدياً لاذعاً وساخراً يشعل الرأي العام ويؤثّر على حياته ومسيرته.

موهبته الأدبية ولغته البليغة في الكتابة والشعر أهّلته ليصبح أبرز كاتب وناقد صحفي، فبالتالي "لوسيان" وضع باريس بأكملها تحت سطوة قلمه، وبات يشعر بالقوة، ويتوق للحصول على ما يريد، ويرغب في الانتقام من كل من وقف في طريقه وخذله.

الفيلم يحكي قصة صعود وسقوط "لوسيان دو رومبريه" في باريس، وهو يطارد أحلامه، متسلّحاً بموهبته وشغفه وجماله، دون أن يدرك أنه يحتاج إلى الذكاء والدهاء والمكر حتى يصل إلى غايته، وبصعوده السريع لا يعي "لوسيان" أنه يصعد ليهوي على وجهه.


الفنان "بنجامان فوازان" هو سر جمال الفيلم وروعته، فقد تقمّص شخصية "لوسيان" بشكلٍ رهيب وآسر للحواس، فلا أتخيّل ممثلاً آخر يؤدي الشخصية، بملامح وجهه الجميلة ونظراته الحالمة وإيماءاته وانفعالته وطريقة حديثه وضحكته المتميزة. "فوازون" جسّد في شخصيته البراءة والغطرسة والغرور والطموح والشغف والاندفاع والثقة بالنفس والسعادة والحزن والغضب واليأس، وقد أدهشني حقاً.

الفنانة "سيسيل دو فرانس" تُعتبر من الممثلات الفرنسيات المبدعات، وأحببت أداءها في الفيلم الرائع "Hereafter" للمخرج الكبير "كلينت إيتسوود"، وقد أدّت في هذا الفيلم شخصية "لويز دو بارجتون" بشكل جميل، وكذلك النجمة "سالومي ديويلز" أبدعت في أداء شخصية الممثلة المسرحية الشابة "كورالي"، التي تقع في حب "لوسيان".


الفنانة "جان باليبار" أدّت شخصية السيدة النبيلة الماركيزة "ديسبار"، التي أعتبرها من أحقر الشخصيات التي قد نقابلها في المجتمع المخملي، فهي تمثّل الشر المطلق الذي يحيط ببطلنا "لوسيان"، وقد تمكّنت "باليبار" من تقمّص الشخصية بشكل رائع جداً. الفنان "أندريه ماركون" أبدع هو الآخر في شخصية البارون "دو شاتليه"، الذي يحاول استمالة النبيلة "لويز دو بارجتون" للوصول إلى غاياته، ويرى أن "لوسيان" يقف في طريقه ويجب إزاحته.

الفنان "فنسان لاكوست" قدّم واحداً من أقوى أداءاته بشخصية "إتيين لوستو"، وهو رئيس تحرير الصحيفة المعارضة، وهناك مشهد رائع يجمعه مع "لوسيان"، وهما يتحدثان عن فنون النقد الصحفي اللاذع والساخر. الفنان المخضرم "جيرار دوباردو" الذي يعتبر الممثل الفرنسي الأبرز في السينما الفرنسية، يشارك هنا كضيف شرف بشخصية "دوريا"، الذي يُعدّ من أهم الناشرين في باريس، وكالعادة أبدع في أداء الشخصية.


الفنان الكندي الشاب "كزافييه دولان" انطلق بقوة في مجال السينما منذ أن كان في سن العشرين، ككاتب ومخرج وممثل لمجموعة من الأفلام المتميزة التي لاقت أصداءً طيبة وترشحت لعدة جوائز، وقد سعدت باختياره هنا لتأدية شخصية "ناتان"، المهمة في القصة.

الجدير بالذكر أن شخصية "ناتان" هي شخصية استثنائية في الفيلم، فقد قام الكاتب والمخرج "جيانولي" وزميله الكاتب "فيشي" بدمج 3 شخصيات من الرواية في شخصية واحدة في الفيلم، وأقصد بذلك دمج شخصية "راؤول ناتان" الصحفي الماكر، وشخصية "دانييل دارتز" الكاتب المجتهد، وشخصية "ملكيور دو كاناليس" الشاعر الناجح. إنه ذاته ذلك الصحفي والكاتب والشاعر الذي يرافقنا من بداية الفيلم كراوٍ لقصة "لوسيان"، وأرى أن اختيار "دولان" لتجسيد هذه الشخصية المركّبة والمبهمة كان اختياراً موفقاً، والتي أقارنها بشخصية "سالييري" من فيلم "Amadeus"، من حيث بنائها وعلاقتها بشخصية بطل القصة.


لم أشاهد غير فيلمٍ واحد فقط لـ "جيانولي" من قبل، وهو فيلم "Marguerite" وكان متميزاً، ولكن هذا الفيلم هو تحفته التي لا تُقدّر بثمن. لقد أبدع في اقتباس الرواية وصياغة النص السينمائي وإخراجه بحرفية بصرية مبهرة، بتركيزه على كل التفاصيل الدقيقة حول القرن التاسع والمجتمع الباريسي المخملي، والمظاهر الثقافية والفنية والإعلامية لتلك الحقبة المندثرة.

لا أبالغ حين أقول أن هذا الفيلم متكامل، والتصوير كان مدهشاً، باللقطات القريبة والبعيدة، والانتقال بين المشاهد واللقطات كان سلساً، ولذلك أشيد أيضاً بالمونتاج الاحترافي المتقن. مواقع التصوير في منتهى الروعة، وكأنني حقاً أسير في شوارع باريس القديمة، ولا أنسى الأزياء الخلّابة والجميلة، بالإضافة إلى المكياج وتصفيف الشعر.


لم يستخدم الفيلم موسيقى تصويرية خاصة به، وبدلاً من ذلك فضّل المخرج الاستعانة بمجموعة من الموسيقات الكلاسيكية التي تلائم تلك الحقبة، وبالفعل كانت اختياراته موفقة، فبالتالي أتيحت لي الفرصة أن أشاهد هذا الفيلم على أنغام "فيفالدي" و"شوبيرت" و"شتراوس" وغيرهم من الموسيقيين العظماء.

أثبت "جيانولي" أنّه ليس هناك شيءٌ مستحيل يعيق صانع الأفلام المبدع من تقديم القصة التي يريدها برؤيته الخاصة، على الرغم من أن أغلب الاقتباسات الأدبية الثقيلة في السينما تكون مملّة وأشبه بمحاضرة في الجامعة، ولكن هنا استطاع "جيانولي" أن يحوّل تحفة أدبية إلى مأدبة سينمائية لذيذة.



أضم هذا الفيلم الدرامي الرومانسي التاريخي إلى سلسلة سأُطلق عليها اسم "النُبلاء السادّيون"، بجانب فيلم "Amadeus" للمبدع الراحل "ميلوش فورمان"، وفيلم "The Age of Innocence" للمبدع العملاق "مارتن سكورسيزي"، وفيلم "Anna Karenina" للمبدع الحالم "جو رايت". جميع الأفلام الأربعة أعتبرها من التحف العظيمة، وتجمعها العديد من العوامل المشتركة، وحين تشاهدون هذا الفيلم ستتذكرون تلك الأفلام الثلاثة بكل تأكيد.

من المؤسف أن هذا الفيلم لم يحقق الانتشار الذي يستحقه خارج فرنسا، ويعود ذلك للتسويق الضعيف له، حتى لا يوجد له أي برومو دعائي أو بوستر رسمي بالإنجليزية، ولم يتم عرضه بشكل متوسّع في دول العالم، بالرغم من أنه كان ضمن عروض مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الأخيرة ونال إعجاب النقّاد، كما أن فرنسا لم تختره ليمثّلها في جوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم عالمي، وبدلاً منه اختارت فيلم "Titane" الذي أعتبره واحداً من أقرف الأفلام التي شاهدتها في حياتي.



لكن فرنسا تعلم أن هوليوود حالياً تميل لتلك الأفلام المريضة والمنافية للفطرة السليمة، مثلما شاركت العام الماضي بفيلم يناسب التوجهات الهوليوودية حول عجوزتين شاذّتين بدلاً من الفيلم الرائع "Bye Bye Morons" للكاتب والمخرج المبدع "ألبير دوبونتيل" الذي اكتسح جوائز السيزار عندهم، وكما تعلمون أن السيزار تعادل الأوسكار في فرنسا.

وما حصل في العام الماضي حصل في هذا العام أيضاً، حيث اكتسح هذا الفيلم جوائز السيزار، محقّقاً الفوز بـ 7 جوائز لأفضل فيلم وأفضل نص سينمائي مقتبس وأفضل ممثل واعد "بنجامان فوازون" بشخصية "لوسيان دو رومبريه" وأفضل ممثل مساعد "فنسان لاكوست" بشخصية "إتيين لوستو" وأفضل تصوير وأفضل تصميم مواقع وأفضل تصميم أزياء.

بينما ترشّح لنيل 8 جوائز أخرى لأفضل إخراج وأفضل ممثل مساعد "كزافييه دولان" بشخصية "ناتان" وأفضل ممثلة مساعدة "جان باليبار" بشخصية الماركيزة "ديسبار" وأفضل ممثلة مساعدة "سيسيل دو فرانس" بشخصية "لويز دو بارجتون" وأفضل ممثلة واعدة "سالومي ديويلز" وأفضل مونتاج وأفضل مؤثرات صوتية وأفضل مؤثرات بصرية.



فيلم "أوهام ضائعة" كان مفاجأة غير متوقعة بالنسبة لي، فمن النادر مؤخراً أن أجد فيلماً يجمع كل العناصر التي أحبها معاً: الأدب والمسرح والفن والموسيقى الكلاسيكية والقرن التاسع عشر والمجتمعً المخملي وباريس، ويكون الفيلم متقناً جداً، ومبهراً للحواس فنياً وتقنياً وتمثيلياً، وزاخماً بالأفكار والدروس، حول أطماع البشر وشغفهم وطموحاتهم، وحول صعودهم وسقوطهم، وحول أوهامهم الضائعة، وحول أولئك الذين يجب أن يجدوا شيئاً ما في أنفسهم بعد خيبة الأمل.

الجمعة، 21 يناير 2022

A Hero 2021

 

مثل كرة من الثلج تتدحرج عبر المنحدر لتكبر وتكبر وتدمّر كل ما يأتي أمامها..

A Hero

 


بطلُ فيلم "بطل" يبدو بطلاً منذ اللحظة الأولى التي نراه فيها بمظهره الجذّاب، ولكن كل ذلك سيتغير، وليس فقط مظهره، بل كيف ننظر إليه. مثل كل البشر في حياتنا، وكل ما نعتقد أننا نعرفه عنهم، يتغيرون باستمرار أمام أعيننا.

هذا الفيلم هو أفضل فيلم للكاتب والمخرج الإيراني المبدع "أصغر فرهادي" منذ فيلم "A Separation" الحائز على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي في عام 2011. الناس يفعلون الشيء الصحيح ، ثم الشيء الخطأ ، ثم الأشياء الصحيحة لأسباب خاطئة أو الأشياء الخاطئة لأسباب خاطئة حتى. هكذا هم البشر، وهكذا هم شخصيات "فرهادي". إنهم لا يدركون ما يفعلونه لأن جانبهم الجيد لا يعرف ما هو الجانب السيئ لديهم.



ما يميّز أفلام هو أنها واقعية بشكل مفرط، ولا نجد في أفلامه شخصيات شريرة، بل شخصيات عادية مثلي ومثلكم. إنهم يتدافعون للهروب من الأزمات القانونية والأخلاقية التي يقعون بها، ويسعون للتوفيق بين مصلحتهم الذاتية ومفاهيمهم المتعثرة عن الصواب والخطأ.

مثلما لا توجد في أفلامه شخصيات شريرة، أيضاً لا توجد شخصيات بطولية، ولذلك عنوان الفيلم "بطل" يضعنا كمشاهدين على المحك ونحن نستكشف مع "فرهادي" الحبكة الساخرة والملتوية والمنطوية في عنوانه، وكيف يجعلنا نتساءل بشكل عميق عن مفهوم البطولة.

"فرهادي" يبدأ فيلم "بطل" مع البطل نفسه وهو يصعد على سلالم لا نهاية لها، وهذا المشهد الافتتاحي يحاكي بشكل عميق وذكي الصعود الشاق لبطلنا "رحيم" على سلالم الحياة. إنه شاب موهوب في فن الخط والرسم، وهو خارج السجن في إجازة لمدة يومين. إنه قابعٌ في السجن بسبب عجزه عن سداد ديْنٍ كبير، حيث تدهورت حياته حين قام شريكه بالهرب من البلاد بالمال الذي اقترضاه معاً لبدء عمل تجاري.


الفنان "أمير جديدي" قدّم أداءً مذهلاً جداً بشخصية "رحيم" بملامحه الخجولة والحمقاء. إنه يُبدي تفاؤلاً جذّاباً بالرغم من وضعه المزري، وبكل تأكيد نحن نتعاطف معه فوراً، والمبدع "فرهادي" يشيّد الفيلم بأكمله، مشهداً تلو الآخر، حول هذا الأداء المذهل من "جديدي".

إنّ "رحيم" مصمّم على تسديد ديونه بأيّة طريقة ممكنة، وبشكل غير متوقع وكأنما حدثت معجزة لإنقاذه من هذا المأزق، تعثر خطيبته "فرخونده"، التي ينوي الزواج منها بعد قضاء فترة عقوبته، على حقيبة يد مفقودة تحتوي على عدد من العملات الذهبية.

بالطبع، السؤال الذي يراودنا كمشاهدين هو: هل سيقوم "رحيم" ببيع العملات الذهبية وتسوية أموره مع الدائن لكي يخرج من السجن؟ "رحيم" فعلياً يتساءل مثلنا، ووصل به الأمر إلى معاينة العملات الذهبية في أحد متاجر الذهب لمعرفة قيمتها النقدية، إلا أنه في نهاية المطاف يفعل شيئاً أكثر نبلاً من ذلك، إذ يعيد الحقيبة ومحتوياتها القيّمة إلى امرأة مصرّة على أنها صاحبة الحقيبة. "رحيم" كان أمام خيارين صعبين: الأول هو فعل الشيء الصحيح الذي لن يفيده، والثاني هو فعل الشيء الخاطئ الذي سيفيده، ولكن "فرهادي" يزوّده بخيارٍ ثالث مثير للاهتمام: "فعل الشيء الصحيح الذي لن يفيده، قد يفيده أكثر مما تتصوّر".



هنا تبدأ الحبكة الفرهادية الملتوية التي أهّلته ليصبح أفضل صانع أفلام في الشرق الأوسط بلا منازع، ومن أفضل صنّاع الأفلام في تاريخ السينما. إنه عبقري في كتابة نصوصه من صميم الواقع وإخراجها إلى الشاشة بشكل مدهش، مثل تحفته العظيمة "A Separation" وفيلمه الرائع "Fireworks Wednesday" ومؤخراً فيلمه الأسباني "Everybody Knows" وبقية الروائع.

"فرهادي" وهو يكتب نصوصه أشبه برجل يسير على جبل جليدي ويصنع كرة صغيرة من الثلج، ويرميها لتتدحرج عبر المنحدر لتكبر وتكبر وتدمّر كل ما يأتي أمامها. في فيلم "بطل" هنا تماماً يقوم "فرهادي" برمي كرة الثلج الصغيرة، متجسّدةً في "رحيم" نفسه.



ما تبدو وكأنها حكاية أخلاقية بسيطة، شيئاً فشيئاً تتحول إلى معضلة فلسفية معقدة جداً. ذلك العمل النبيل الذي قام به "رحيم" يجعله محط أنظار الجميع، حيث يظهر على شاشة التلفزيون وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفعلياً أصبح بطلاً في نظر الجميع، بمن فيهم إدارة السجن.

لكن هل كانت دوافعه نبيلة حقاً؟ الدائن "بهرام" لا يعتقد ذلك، والفيلم يصوّر لنا هذه الشخصية ببراعة على أنها المصدر الرئيسي للبؤس والشقاء في حياة "رحيم". إن "بهرام" غير متعاطف أبداً في سحب القضية، ولا يقبل بالتفاوض على تسوية الديْن بسهولة بالرغم من محاولات "رحيم" اليائسة. مع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك مسوّغ لأفعال "بهرام" إنْ نظرنا إلى الأمور من جانبه واستشعرنا معاناته، ولهذا أؤكد مجدّداً أنه لا يوجد أشرار في أفلام "فرهادي".



هل يجب الاحتفاء بـ "رحيم" وتمجيده وجعله بطلاً مشهوراً في الإعلام لمجرّد أنه قام بعملٍ نبيل يفعله أي شخص طبيعي؟ مع تكشّف أحداث الفيلم، قد تكون هناك حقاً هناك بعض الدوافع الخفية والحسابات الذكية وراء عمله النبيل، فالعملات الذهبية لا يمكن بقيمتها تسديد ديونه بالكامل على أيّة حال، فربما كان من مصلحة "رحيم" فعلاً القيام بالشيء الصحيح، إذ أن ذلك يجذب انتباه مؤسسة خيرية، وتبدأ في جمع التبرعات نيابة عنه، وهناك أيضاً مسألة ابن "رحيم" الصغير، الذي يعاني من التلعثم وصعوبات في النطق، وإظهاره على الملأ تبدو كمحاولة فاضحة لاستمالة مشاعر المجتمع.

جزء من تألّق الفيلم يكمن في أسلوبه العبقري في طرح الشكوك والتساؤلات حول مفهوم العمل النبيل. ما فعله "رحيم" أو "كرة الثلج" كانت له عواقب غير متوقعة، مثل فيروس كورونا الذي يتحوّر وينتشر ويلتقطه الجميع.



بينما يواصل "فرهادي" زج جميع الشخصيات في مأزق "رحيم" المحفوف بالمخاطر بشكل متزايد، يكشف لنا رسائله المبطّنة حول ظلم السجناء المدينين في إيران، وأيضاً تأثير الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وهوَس المجتمع بالخير والشرف. قصة "رحيم" هي استثمار ينتفع به الجميع، سواءً الإعلام أو إدارة السجن أو المؤسسة الخيرية.

أكثر ما تأثّرت به في هذا الفيلم هو مفهوم البطولة والنفاق فيها، وكيف يبتلعها مجتمع ساذج بأكمله دون وعي وإدراك، ومع ذلك ، فإن الجزء الأكثر روعة في هذا الفيلم المدهش هو تناوله للطبيعة البشرية، وموهبة البشر المبهرة في خداع الذات، وشغفهم في الوصول إلى قمة الفضيلة، وقدرتهم على التفوّه بالأكاذيب وتصديقها، والغموض المُطلق لدوافعهم.


لقد تمكّن "فرهادي" مرة أخرى من طرح مواضيع عميقة تمسّ المجتمع بجانب قصته الدرامية الرئيسية، والنص السينمائي الذي كتبه مليءٌ بالحوارات اللاذعة التي تعلق في الأذهان، وأداء الممثلين كان مدهشاً من الجميع، وهذا ليس بأمر غريب في السينما الإيرانية. الممثلون الإيرانيون مدهشون وعفويّون بشكلٍ لا يُصدّق، بالرغم من أنهم لم يدرسوا التمثيل في المعاهد والجامعات، ولكن الموهبة التي يمتلكونها تجعل كل صانع أفلام محظوظاً بهم في فيلمه.

"رحيم" الذي تتغير دوافعه ومبادئه وطباعه بقدر سوء حظّه قد يجعلنا نتساءل عن شخصيته ونواياه، وهو يسير بنا في الفيلم طوال ساعتين، وحين ننظر إليه عن كثب نكتشف بعد كل شيء أنه ربما هناك شرّير في أفلام "فرهادي". إنه "المجتمع" نفسه.



الاثنين، 20 ديسمبر 2021

The Worst Person in The World 2021

طُرفة تهكّمية ومُبالَغة ساخرة مثل ضحكةٍ مكتومة تبعث على الراحة..

The Worst Person in The World

 


"يوليا" هي طالبة طب ذكية وجامحة، وفي البداية تتخلى عن دراسة الطب لتتخصص في علم النفس، ومن ثم تجد نفسها راغبة في احتراف التصوير الفوتوغرافي، وأخيراً تعمل في مكتبة. إنّ شغفها غير محدود، ودعم والديها ثابت، ولذلك هي تتنقّل بين المهن والعشّاق والمحطات الاجتماعية. إنها غير ملتزمة بأي شيء، وغير متأكدة من كل شيء، ما عدا التزامها الثابت تجاه نفسها، رغم أن ذلك الالتزام أيضاً يبدو متذبذباً ومتغيراً يوماً عن يوم.

نعم، لقد شاهدنا أفلاماً كثيرة مُشابهة في السابق، حول شابة حريصة على بدء حياتها، وغير مدركة أن "الحياة" كانت تحدث طوال الوقت، ولكن الكاتب والمخرج النرويجي المبدع "يواكيم ترير" شيّد فيلمه بشكل مدهش وساحر وغريب ومبتكر، فقد مزج الكوميديا الرومانسية مع الدراما السوداوية بطريقة ليس لها مثيل.



الفيلم النرويجي "أسوأ شخص في العالم" هو فيلم رائع ومدهش، ومُلهم ومؤثّر، ومضحك ومبكي، وبكل بساطة هو "الحياة" بحد ذاتها. الكاتب والمخرج الكبير "كوينتين تارانتينو" غالباً ما يكتب نصوص أفلامه بطريقة الفصول كالروايات تماماً، والمبدع "يواكيم ترير" أيضاً اتّبع نفس النهج، بتقديم فيلمه في 12 فصلاً مع مقدمة وخاتمة، مع عناوين جذّابة ولاذعة لكل فصل، وقد أبدع في ذلك مع زميله الكاتب "إسكل فوغت".

"يوليا"، التي هي على مشارف الثلاثين من عمرها،  تلتقي بـ "أكسل" في معرض فني، وهو رسام قصص مصورة في بداية الأربعين من عمره. بالرغم من فارق العمر بينهما، إلّا أنها ينجذبان تجاه أحدهما الآخر وتصبح علاقتهما جدّية، ولكن "يوليا" التي لا تحب الالتزام بأي شيء تجد أنها مُحاصرة في هذه العلاقة، وسرعان ما تلقي نفسها في أحضان الشاب "إيفيند" في حفل زفاف أحد الأصدقاء.

إنه يخطف قلبها لا شعورياً، بكونه أحمق نوعاً ما وبسيطاً بالمقارنة مع "أكسل" الناجح مهنياً والمعروف في المجتمع، فـ "إيفيند" هو مجرد موظف يعمل في تحضير القهوة في أحد المقاهي، ويبدو أن "يوليا" لا تحتمل أن يكون شريك حياتها أرفع منها. الفيلم يتتبع مسارات حياتها طوال 4 سنوات.



كم هي غريبة هذه الـ "يوليا"!! إنها متوهّجة ومعقّدة وآسرة بشكل إيجابي، والفنانة "ريناتا راينسفه" جسّدت كل تناقضات "يوليا" وشكوكها وقلقها ولطفها ووحشيتها وإرادتها القوية ومسارها المبعثر. لقد قدّمت "ريناتا راينسفه" أداءً مذهلاً جداً جداً جداً بشخصية "يوليا"، واستحقّت فوزها بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان السينمائي.

الفنان "أنديرز دانييلسن لي" كان أسطورياً بمعنى الكلمة، إذ أدهشني بأدائه القوي لشخصية "أكسل"، كرجل في بداية الأربعين يجد نفسه يتساءل في لحظةٍ ما عن معنى الحياة وهدفه فيها، والمشهد الذي جمع بينه وبين "يوليا" في المستشفى كان رهيباً ويلامس المشاعر وبمثابة صفعة لي ولكل مُشاهد، إذ شعرت أنني أنا المقصود من الحوارات اللاذعة والقوية التي دارت بينهما، وقد ابدع "يواكيم ترير" في ذلك المشهد بالتحديد. النجم "هيربرت نوردم" أبدع في أداء شخصية "إيفيند".



"يوليا" لا تعرف ماذا تريد، لكنها تعلم أنها تريد الاستمرار في أنْ تريد وتريد إلى الأبد، وأنها لا تتوق إلى أي من الأمور الأساسية التي تراود كل البالغين تقريباً، مثل إنجاب الأطفال. بكل تأكيد، العلاقة الثابتة والمريحة هي أسمى ما يمكن الحصول عليه من شريك حياتك، ولكن "يوليا" تشعر بأن تلك العلاقة ثابتة جداً ومريحة جداً.

إنّ "يوليا" حسّاسة جداً من فكرة أن تصبح الحياة منظّمة بدقّة، وأن تتّخذ مساراً واحداً محدداً إلى الأبد. قد يكون هذا الشعور مرتبط بأولئك الأشخاص منا الذين انتهى بهم المطاف في الثلاثين من العمر وهم لا يزالون نسبياً في مهب الريح كما كانوا في عمر العشرين. هل هناك شيء خاطئ حولهم؟ هل هم أنانيون ويبحثون دائماً عن المزيد عندما يكون هناك شيء موثوق به وجيّد، بل رائع، أمامهم مباشرةً؟ أم هل هم يخالفون التقاليد والأعراف لاتخاذ مسار فردي جديد؟

أجاب الفيلم بـ "نعم" و "لا" على كل هذه الأسئلة، من خلال اختيارات "يوليا" في كل ما يتعلق في حياتها. يمكن لـ "يوليا" أن تكون منطوية على نفسها وعنيدة ومحبَطة، مثلنا تماماً. إنها دائماً تستمع إلى نفسها، حتى لو كان الصوت الداخلي مرتبكاً في كثير من الأحيان.



رحلة الفيلم، أو إحدى الرحلات، تنطوي مع "يوليا" التي تحتضن خصوصية وجودها. إنها لا ترفض التعلم من التجربة ، لكنها تسمح لنفسها بالارتداد من زواياها الخاصة. ما يصل إلينا في نهاية الفيلم هو الشعور بمعرفة الذات وفهمها، أو بالأحرى نتعلم درساً ثاقباً حول اضطرابات مرحلة الشباب.

"يوليا" هي شخصية مائية وغير شفافة في آنٍ واحد، وكم كان تجسيدها مستحيلاً لولا إبداع الفنانة "ريناتا راينسفه". إنها نفس الشخصية المتقلبة من فصل إلى آخر، وتنضج وتتراجع في مراحل متعاقبة، وتظل متعاطفة على الرغم من إرادتها المليئة بالجنون.



هي و"إيفيند" يبدوان لطيفين وظريفين معاً كأي شخصيتين من أفلام المبدعة "نانسي مايرز" والمبدعة الراحلة "نورا إفرون"، لكن تناغمها المتوتّر والغريب مع "أكسل" هو ما يعطي الفيلم لسعته الجميلة والمؤلمة، لا سيما أن "أكسل" يعترف بانعدام الأمن في حياته، ومخاوفه من مستقبل لا يشمله.

أظن أن "ترير" كان يتحدث إلينا عبر "أكسل" بشكل مباشر حيث يقول: "لقد نشأت في وقت كانت فيه الثقافة تنتقل عبر الأشياء المحسوسة، ويمكننا العيش بينها". إنه يتحدث بمشاعر حنين إلى زمن جميل مضى.

بلا منازع، النص السينمائي الذي كتبه "يواكيم ترير" وزميله "إسكل فوغت"  هو من أقوى النصوص وأعمقها في الآونة الأخيرة، الرؤية الإخراجية لـ "ترير" بواقعيتها المفرطة أضافت الكثير للفيلم. إنه يتناول مواضيع حساسة وصعبة بتوازن ذكي من الإغاظة والعاطفة، حتى عنوان الفيلم "أسوأ شخص في العالم" هو طرفة تهكّمية ومبالغة ساخرة مثل ضحكة مكتومة تبعث على الراحة.



هل حقاً يوجد "أسوأ شخص في العالم"؟! بالطبع ليست "يوليا"، بالرغم من أنها تخون رجل وتكذب على آخر، لكننا نراها كإنسانة ضعيفة، مثل أي شابة في عمرها خائفة من سوء اختياراتها في الحياة. ربما ينطبق العنوان على "أكسل" بالنسبة لجيل النسويات، مع قصصه المصوّرة والهيمنة الذكورية العنيفة فيها. بكل تأكيد، لا ينطبق العنوان على "إيفيند" الأحمق والساذج.

بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى خاتمة الفيلم الهادئة والمليئة بالأمل، اعتارني شعور جميل ومؤلم، حول الحياة بشكل عام، وحياتي بشكل خاص. قدرة "ترير" على التوغل في مشاعري وأحاسيسي بهذه الطريقة أثارت دهشتي وإعجابي، ولا تزال كلمات أغنية النهاية تتأرجح بهدوء في أذني، والتي هي في الأساس عبارة عن قائمة من الكلمات والأفكار المبعثرة، تجعلني أتأمّل كل الجمال في الحياة. أليست الحياة جميلة؟ بالنسبة للبعض منا، نعم، وهذا يكفي.



في أكثر مشاهد الفيلم جمالاً، يتجمّد العالم حول "يوليا" لعدّة دقائق وهي تتجول عبر أوسلو لمقابلة "إيفيند"، الشخص الوحيد غيرها الذي يتحرك في العالم المتجمد والساكن. يداعب النسيم شعر الأشخاص في الشوارع وهي تتخاطهم، غير منزعجة ومبتهجة. لمرة واحدة فقط، للحظة قصيرة ساحرة، ينتظر الوقتُ "يوليا"، وكأنها تتحكم به وبالعالم كلّه، ويمكنها فعل ما تشاء في أي مكان وفي أي وقت ومع أي شخص، ولم نرها أبداً بهذه السعادة.