الأربعاء، 9 سبتمبر 2020

Purple Noon 1960

 

تحفة سينمائية عن رواية "توم ريبلي الموهوب" لـ "باتريشيا هايسميث"

Purple Noon


 

لطالما كان المخرج العظيم "مارتن سكورسيزي" عاشقاً للسينما الأوروبية، وخصوصاً الإيطالية والفرنسية، والتي من خلالها أصبح شغوفاً بصناعة الأفلام، حتى صار واحداً من أفضل المخرجين في تاريخ السينما، ومن الأفلام التي تأثّر بها في سنوات شبابه هو الفيلم الفرنسي العظيم "شمس ساطعة"، الذي عُرض لأول مرة في السينما بعام 1960، وبعد سنوات طويلة قام "سكورسيزي" بالتعاون مع شركة "ميراماكس" بتنظيم عرض سينمائي خاص في منتصف التسعينات للفيلم.



إنه فيلم جريمة من الطراز الأول، ولا يركز على الجريمة بقدر التركيز على الرجل الذي يرتكبها. إنه "توم ريبلي"، ذلك الشاب العشريني الفائق الجمال، الذي لا يبدو للوهلة الأولى أنه مجرم، فالجميع يظنون أنهم يرون ملاكاً جميلاً يسير في الأرض.

إذا كنتم قد قرأتم سلسلة روايات الكاتبة "باتريشيا هايسميث" التي تدور حول "توم ريبلي"، فتشعرون بالقشعريرة في جلودكم بكل تأكيد، فـ "توم" هو مجرم مكسوٌ بالدهاء والمكر. باختصار هو وحش. ليس "توم" وحده، فالكاتبة البارعة "هايسميث" تملك من الدهاء والمكر ما يؤهلها لتجعلنا متعلقين بشخصية "توم" ونشاركه أنانيته، كما لو أننا نمتلك القليل من "توم" في داخل كل شخص منا.



"السيد ريبلي الموهوب" هي أول رواية من سلسلة "توم ريبلي"، والتي نُشرت في الخمسينيات من القرن الماضي، بعد أن اشتهرت "هايسميث" بروايتها الرائعة "غريبان على متن قطار"، التي تحوّلت وقتها إلى واحد من أروع أفلام المخرج الكبير "ألفريد هيتشكوك"، والذي أعتبره من أروع الأفلام التي شاهدتها في حياتي، وقد قمت بالكتابة عنه في مقال سابق. في الروايتين كليهما، ينجذب رجل بقوة إلى آخر ويعبّر عن هوسه من خلال جريمة بغاية الدهاء والذكاء.

نلاحظ  في "توم" أنه غير مستقر ومتوتر أحياناً، فهو يقضي وقته بالتنقّل في أنحاء إيطاليا، مستهدفاً الشاب الغني واللعوب "فيليب غرينليف" وخطيبته الجميلة "مارج"، حيث نكتشف من خلال الأحداث أنه قد تم تكليفه من قبل السيد "غرينليف" للبحث عن ابنه "فيليب"، المنقطعة أخباره منذ مدة، وإعادته إلى المنزل في سان فرانسيسكو، وإذا نجح في تنفيذ المهمة سيحصل منه على مبلغ 5000 دولار، ولكن ما إنْ يتوغل "توم" في حياة "فيليب" المليئة بالترف والمغريات، يغويه ذلك بعيداً عن غايته الأساسية، أو هكذا يبدو الأمر.



كل ذلك كان مجرد تمهيد فقط، لأن جوهر القصة يكشف أن "توم" هو قاتل بلا إحساس أو مشاعر، وعلى استعداد لفعل أي شيء تقريباً للحصول على ما يريد، وعلى الرغم من وجود غنيمة لكل جريمة، إلا أنه ليس المال ما يجذب "توم". إنه يريد "الأفضل". فقط "الأفضل".

إنه يستمتع باللعب مع ضحاياه ومع الشرطة من خلال رؤيته إلى أي مدى يمكن أن يصل دون أن يتم القبض عليه. إنّ مخططاته تصبح أكثر تعقيداً بشكل تدريجي، حيث تتضمن تبديل الهويات وانتحال الشخصيات وتزوير التواقيع، وأكثر من ذلك، والشعور الوحيد الذي يظهره هو الرضا عن نجاح مخططاته وجرائمه.

الحبكة رائعة وملتوية ومليئة بالمنعطفات الوعرة والمدهشة، وأي شخص شغوف بالسينما سيسعد بمشاهدتها وهي تتكشف شيئاً فشيئاً. في أكثر من موقف، يتعمّد "توم" وضع نفسه في بؤرة محفوفة بالمخاطر، فيصبح العاتق على الفيلم ببراعته وسحره في تخليصه من الخطر المحدق.



لا شيء في هذا الفيلم متحذلق أو قابل للتنبؤ به، فالفيلم عبارة عن ساعتين من الإثارة الخالصة، التي تجعل العديد من أفلام الإثارة المزعومة في حالة من العار والخزي، والفضل يعود لرؤية المخرج "رينيه كليمون"، الذي يعتبر من أبرز المخرجين الفرنسيين، والذي فاز مرتين بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، عن فيلم "The Walls of Malapaga" بعام 1949، ولاحقاً عن فيلم "Forbidden Games" بعام 1952.

الموسيقار الإيطالي المبدع "نينو روتا" دائماً ما يذهلنا بلمساته الساحرة في الموسيقى التصويرية لأفلامه، التي أصبحت الإلهام والشغف لكبار المخرجين في هوليوود والعالم، ومن بينهم المخرج "فرانسيس فورد كوبولا" الذي اختار "نينو روتا" شخصياً لتأليف موسيقى سلسلة أفلام "The Godfather"، التي أصبحت واحدة من أجمل وأشهر الموسيقات التصويرية في تاريخ السينما لروعتها وجمالها، وفي هذا الفيلم لا أقول أنه اعتمد على الموسيقى، ولكن الثيمة الرئيسية للفيلم كانت عذبة ومذهلة، وأيضاً نشعر بارتباط موسيقي بينها وبين ثيمة "The Godfather"، فهكذا هي بصمة الموسيقار المبدع، الذي تُعرَف موسيقاه بالقلب.



أجمل ما في الفيلم هو تمثيل الفنان المبدع "ألان ديلون"، الذي هو بالفعل أجمل ممثل شاهدته على الإطلاق، فملامح وجهه تبدو وكأنها لوحة مرسومة مع عينيه الزرقائتين الساحرتين، فسبحان الله وتبارك الله أحسن الخالقين.

بقدر جماله الساحر، "ألان ديلون" يمتلك موهبة ساحرة وكاريزما قوية أمام الكاميرا، وهذا الفيلم هو نقطة التحول في مسيرته السينمائية الحافلة بنيله إعجاب النقاد والجماهير، إذ أشادوا بأدائه وبالفيلم. لكل فنان مشكلة تواجهه، و"ألان ديلون" كان جماله المشكلة الرئيسية بالنسبة له، فقد أراد أن يبرز نفسه كممثل بارع وموهوب، وليس مجرد وجه جميل للناظرين، وقد عانى أيضاً على الصعيد الشخصي والفني من الهوس الشديد به من الفتيات والنساء.

بمرور السنوات، شارك "ألان ديلون" في أفلام مهمة، فرنسية وإيطالية، وأهمها فيلم "Le Samourai"، الذي يعتبر من أقوى أفلام الجريمة والإثارة والغموض بحبكته المبتكرة آنذاك، ومصدر إلهام للعديد من المخرجين الكبار الذين تأثروا بالفيلم وانعكس ذلك في أفلامهم، مثل "مارتن سكورسيزي" و"كوينتين تارانتينو" و"فرانسيس فورد كوبولا" و"ديفيد فينتشر" والأخوين "كووين"، وغيرهم.



بشكل عام، أكثر المهووسين بأفلام "ألان ديلون" هو المخرج "مارتن سكورسيزي"، الذي يعتبر الفيلمين الإيطاليين الذي أدّى فيهما "ديلون" دور البطولة: "The Leopard" و"Rocco And His Brothers" من أفضل الأفلام التي شاهدهما في حياته.

في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي، وتحديداً في عام 2019، تم تكريم "ألان ديلون" بالسعفة الشرفية عن مجمل أعماله وهو في سن 84 عاماً والاحتفاء بفيلمه الأشهر والأجمل هذا، غير أنه قبل مراسم التكريم، كانت هناك احتجاجات وانتقادات كثيرة من الحقوقيين الفرنسيين وغيرهم من الخارج، حيث اعترضوا على تكريم "ديلون"، بسبب ما ورد في بعض تصريحاته في وسائل الإعلام حول المرأة والمهاجرين التي وصفوها بالعنصرية، بالإضافة لاحتقاره العلني والواضح للمثليين، واستنكاره لزواجهم ببعض وتبنّيهم للأطفال، معبّراً بذلك بأنه أمر مقرف وضد الفطرة، ولكن لحسن الحظ، ذلك لم يأثر على القائمين على المهرجان، وتم تكريمه أمام حشد كبير من الفنانين وسط تصفيق حار، واستحق ذلك بكل تأكيد.



إننا نحب "توم" ونجده رائعاً وساحراً، لأن "ألان ديلون" يجعله كذلك. إنه ليس كأي شخص شرير عادي، فهو شخص ذكي ومعقد ولديه أسباب مدروسة بعناية لكل ما يفعله، وقد يكون مضطرباً نفسياً، ولكن هناك شيء غريب بشأنه يشغلنا ويغرينا، حتى حين تكون أفعاله مثيرة للاشمئزاز، ولأن الفيلم يركز على "توم"، فهناك أوقات نجد فيها أنفسنا آملين أن تنجح مخططاته، حتى وإنْ كان ذلك فقط من أجل المتعة في رؤية ما سيفعله بعد ذلك. بقية النجوم، بمن فيهم: "موريس رونيه" بشخصية "فيليب"، و"ماري لوفوريه" بشخصية "مارج"، قدّموا أداءً مميزاً.

الجدير بالذكر أنني قبل سنوات طويلة شاهدت النسخة الحديثة للفيلم، والمقتبسة من الرواية، وأقصد بذلك الفيلم العظيم "The Talented Mr. Ripley"، للكاتب والمخرج المبدع "أنثوني مينغيلا"، والذي كان من بطولة المبدعين: "مات ديمون" و"جود لو" و"كوينيث بالترو" و"كيت بلانشيت" و"فيليب سيمور هوفمان".



الفيلمان كلاهما مبهر بطريقته الخاصة، وقد تكون هذه هي المرة الأولى بالنسبة لي بأن أحب فيلماً قديماً ونسخة حديثة مقتبسة منه بنفس الدرجة، أو قد أكون أحببت النسخة الحديثة أكثر بدرجة بسيطة جداً جداً، ليس لأني شاهدتها مسبقاً وعرفت القصة والحبكة، بل لأن هناك تفاصيل أكثر دقة، وخصوصاً المَشاهد التمهيدية للقصة مع "توم" والسيد "غرينليف" في أمريكا، بالإضافة إلى الشخصية الجديدة التي أضافها "مينغيلا" في نصه السينمائي، والتي لم تكن موجودة في الرواية، وأقصد بذلك شخصية "ميريديث لوغ"، التي أدّتها بإبداع الفنانة "كيت بلانشيت"، وقد أضافت شخصيتها مزيداً من الغموض والتشويق في أحداث القصة.

"مينغيلا" كاتب ومخرج بارع، ولا نشعر أنه تأثّر بالفيلم القديم أو حاول تقليده، بل أراد أن يصنع فيلماً مختلفاً كلياً برؤيته الخاصة، وقد نجح بامتياز، وأعتبر فيلمه هذا أفضل ما قام بكتابته وإخراجه على الإطلاق، بالرغم من أنه مشهور أكثر بفيلمه السابق الرائع "The English Patient"، الذي اكتسح موسم الجوائز في عام 1996، محققاً الفوز بـ 9 جوائز أوسكار، ومنها لأفضل مخرج.

لقد أبدع جميع الممثلين في ذلك الفيلم، وخصوصاً "مات ديمون" و"جود لو"، وبالنسبة لـ "مات ديمون" هو يعتبر الفيلم الأقرب له والمفضّل على جميع الأفلام التي قام بالتمثيل بها. لقد قمت بالكتابة عن ذلك الفيلم بإسهاب وتفصيل في مقال سابق أيضاً.



من الغريب جداً أن نقرأ أو نشاهد بطل قصة ويكون مجرماً بارعاً، ونتفاعل معه ونعيش هاجسه وجنونه، ونستمتع حين نراه يفلت من العقاب، فالأمر يتطلب شخصية مميزة ومبتكرة حقاً لكي تنال منا كل هذه الامتيازات، و"توم ريبلي" يستحقها حقاً.

نهاية هذا الفيلم مختلفة عن الرواية الأصلية ونسخة "مينغيلا"، ولم تعجب الكاتبة "هايسميث" شخصياً، بالرغم من أنها استمتعت بالفيلم بشكل عام، والتي أستخلص منها أن المخرج "كليمون" وكاتب النص السينمائي "بول جيغوف" لم يملكا الجرأة الكافية لإنهاء فيلمهما بدون تحقيق العدالة والإنصاف، ولا يمكنني أن أقول أن النهاية واضحة كالشمس الساطعة، ولكنها كانت مفتوحة، وتحتمل أكثر من تفسير.



الاثنين، 7 سبتمبر 2020

Tenet 2020

 

لا تحاولوا فهم الفيلم، بل شاهدوه بشكل عكسي ..

Tenet



 

في ظل الوضع الراهن والعصيب الذي يمر به العالم أجمع، مع تفشّي فيروس كورونا، وقرارات أغلب الدول بالحظر والإغلاق، لم يكترث الكاتب والمخرج الكبير "كريستوفر نولان" بذلك، وأصرّ على عرض فيلمه الجديد في السينما، ولم يتنازل كالبقية بتأجيل عرض أفلامهم حتى تهدأ الأمور، ولكونه ينتمي للمدرسة القديمة، هو لا يعترف بالمنصات الرقمية لعرض فيلمه فيها كخيار بديل.

بالطبع، أفلام "نولان" بالذات تتطلّب أكبر وأفخم شاشة سينمائية، لأنه يهتم كثيراً بجودة الصورة والصوت، ويستخدم أرقى المعدّات في الإنتاج، وخصوصاً كاميرا الآيماكس، فبالتالي إصراره على العرض السينمائي كان صائباً بكل تأكيد، ولكن تبقى المسألة هي استعجاله الشديد في وقت العرض، حيث أن أكثر من نصف سينمات العالم مغلقة، والمفتوحة منها يشترط فيها الالتزام بالإجراءات الاحترازية بطاقة إستيعابية لا تتعدى 50% في صالة العرض، وارتداء الكمامات وغيرها من الأمور المعتادة والمزعجة للمُشاهد.

كان من الأفضل لـ "نولان" تأجيل عرض فيلمه حتى نهاية هذا العام أو ينتظر حتى العام المقبل، أو لحين عودة الحياة إلى طبيعتها كالسابق، خصوصاً أن الاعتماد الرئيسي في الإيرادات هو من السينمات الأمريكية والبريطانية، التي لا تزال أغلبها مغلقة وفي أهم المدن، ولكن في النهاية تم عرض الفيلم في سينمات العالم، وحقّق أرباحاً جيّدة حتى الآن، فقد أراد "نولان" أن يكون هو المجازف الأول بفيلمه ذي الميزانية الضخمة ليكون المحرّك لتشغيل سينمات العالم بعد إغلاقها لما يقارب 5 أشهر، وتعود المياه إلى مجاريها، وعلى ما يبدو نجح في ذلك.


فيلم "عقيدة" هو عبارة عن مزيج من أفلام "جيمس بوند" و"مهمة مستحيلة"، مع بهارات من أفلامه السابقة، وبالأخص "Inception"، وأيضاً "Memento" و"Interstellar"، ولا أنسى "Dunkirk"، ولطالما كان "نولان" متيّماً بالحبكات التي تدور حول الزمن والعوالم المتوازية وتعدد وجهات النظر، وها هو الآن يعجن تلك الحبكات وينقلها لمستوى أعلى في هذه الملحمة التي تجوب العالم في مواقع تصوير جميلة، من إستونيا إلى سواحل إيطاليا، مروراً بالهند، ومن ثم الدنمارك، فالنرويج، وبريطانيا.

النجم "جون ديفيد واشنتون"، الذي أثبت موهبته كممثل متميز كوالده الفنان "دينزل واشنتون"، والذي قد لا يشبهه في الشكل كثيراً، ولكن نبرة صوته كوالده تماماً، وكأنني أسمع صوت "دينزل" وهي شاب. في هذا الفيلم هو يؤدي دور البطل، وفي الحقيقة لا نعرف اسمه في الفيلم أبداً، سوى أنه يطلق على نفسه لقب "الرجل الرئيسي".

إنه رجل هادئ وظريف أحياناً، ويبدو قوياً كالعملاء السريين، ونشعر أنه تلقّى تدريبات احترافية، والذي بالكاد ينجو من هجوم إرهابي مخيف في دار الأوبرا الوطنية في أوكرانيا في المشهد الافتتاحي للفيلم، حتى يتم لاحقاً تكليفه بمهمة خطيرة، وهي إنقاذ العالم من خطر وشيك يهدّد حياة البشر.


من هنا يبدأ "نولان" بإدخالنا إلى متاهته المعقدة والمليئة بالألغاز والتحديات، ونتعرف على مقادير حبكته الملتوية، حيث يمكن الآن جعل الزمن يسير بشكل عكسي، ويمكن تغيير الأحداث في المستقبل، والرصاصات يمكن أن تعود إلى المسدسات التي أُطلقت منها، والجروح تتلاشى وتلتئم، والسيارات تتلاحق بشكل عكسي، والأشخاص يسيرون للوراء، ويمكنكم تخيّل المسألة كما لو أنكم تعيدون لقطةٍ ما بالـ Rewind عبر جهاز التحكم عن بعد.

ولكن كما تنص القاعدة التي تعلمناها من أفلام السفر عبر الزمن، ستقع في مشكلة كبيرة إذا تفاعلت مع نفسك على امتداد الخط الزمني، فمثلاً إن قتلت جدك في الماضي، فكيف ستكون موجوداً في المستقبل؟! مهمة البطل هي تعقّب تاجر الأسلحة الروسي "أندريه سيتور"، الذي يمتلك سلاحاً خطيراً وسيدمّر العالم بأكمله، وقد أدّى دوره الفنان "كينيث برانا" بشكل مميز.


لطالما كان الفنان المخضرم "مايكل كاين" عنصراً أساسياً في أفلام "نولان"، وهنا يشارك معه للمرة السابعة في مشهد واحد قصير بشخصية "مايكل كروسبي"، وهو عميل بريطاني محنّك، ويلتقي بالبطل ويرشده في مهمته. النجمة الهندية "ديمبل كاباديا" المشهورة في بوليوود، تؤدي هنا شخصية "بريا"، التي تتوغّل في المهمة مع البطل.

النجم "روبرت باتينسون"، الذي لا أطيقه شخصياً، قدّم هنا أداءً متميزاً بشخصية "نيل"، وهو عميل بريطاني يشارك البطل مهمته، وأيضاً هناك النجمة "إليزابيث ديبيكي" التي أعجبني أداءها قبل سنوات في المسلسل القصير الجميل "The Night Manager"، بشخصية عشيقة تاجر أسلحة، وها هي الآن تعود مجدداً بشخصية "كات" المماثلة تماماً لشخصيتها في ذلك المسلسل، وتؤدي هنا شخصية زوجة "سيتور"، التي لا تطيقه، وستفعل أي شيء لإنقاذ ابنها والهروب من جبروت ذلك المتوحش، فتصبح شريكة في المهمة التي يخوضها البطل مع "نيل". النجم "آرون تايلور جونسون" قدّم أداءً جميلاً بشخصية "آيفيس"، الذي يشارك في المهمة معهم.


الفيلم ليس معقداً جداً أو غير مفهوم كما وصفه البعض، ولا يتطلب الأمر مشاهدته مرتين أو 3 مرات لفهم الصورة الكاملة، فالمشاهدة بتركيز شديد تكفي من المرة الأولى، والمشاهدة الثانية قد تكون أكثر متعة للتركيز على أبعاد أخرى في القصة، وترسيخ بعض الأمور التي قد تكون مبهمة أو غير واضحة، ويعتمد على ذلك على كل شخص ومدى فهمه واستيعابه لحبكة الفيلم.

افتقدت موسيقى "هانس زيمر" في هذا الفيلم، فكما يعرف الجميع هو دائماً ما يتعاون مع "نولان" في أفلامه، ويزيدها روعة بإبداعه، ولظروف الارتباط بأعمال أخرى، تم إسناد المهمة للموسيقار السويدي "لودويغ غورانسون"، الذي فاز بجائزة الأوسكار مؤخراً لأفضل موسيقى تصويرية عن فيلم "Black Panther". في الحقيقة لم يكن يستحق الفوز حينها، وموسيقاه في فيلم "نولان" لم تعجبني كثيراً، فقد كانت صاخبة ومزعجة في بعض الأحيان، بتداخلها مع المؤثرات الصوتية وحوارات الشخصيات، فأصبح الوضع فوضوياً نوعاً ما.


بالنسبة لي، لقد استمتعت بمشاهدة الفيلم المبهر بصرياً، ولكني لا أضمّه إلى روائع أفلام "نولان"، فهو أقلّهم في المستوى، فالأفلام السابقة كانت أفضل وأقوى بكل تأكيد، ولكنه أفضل من "Memento" و"Insomnia"، وهنا أنا لم أختبر حبكة جديدة أو مبتكرة، فقد كانت حصيلة من أفلامه السابقة بقليل من التلاعب المعتاد من "نولان".

 أرى أنّ "نولان" يجب أن يفكّر في تغيير أسلوبه في القصص والإخراج، بالرغم من أنني أعتبره من أفضل 10 مخرجين في السينما، ولكن التغيير حتماً مطلوب لكي يرتقي ويتطور، لا أن يدور في متاهته ويظل حبيساً فيها إلى أن لا يستطيع الخروج منها أبداً فيما بعد.

المصور السينمائي "هويت فان هويتما" أبدع في ترجمة رؤية "نولان" إلى لقطات مدهشة، ولا أنسى جهود الطاقم الفني والتقني، في المونتاج والمؤثرات، فقد كانت متعة بصرية بمشاهدة المباني وهي تنفجر ثم تعود كما كانت مرة أخرى وبعد ذلك تنفجر مجدداً، ومشاهدة الطيور وهي تطير للوراء، والجنود وهم يسيرون كما لو أنهم على سطح القمر، والشخصيات وهم يعبرون عبر الزمن. عندما تكون في مواجهة الزمن بشكل عكسي، يجب أن ترتدي قناعاً خاصاً لأن نظام عمل جسمك سيكون معطوباً، كما لو أنك تعيش مع وباء متفشّي يعكّر صفو حياتك ونظامها.



يصل بنا الفيلم إلى نهاية بتلميح واضح لنهاية الفيلم الكلاسيكي العظيم "Casablanca"، حين يقول "ريك" لـ "لوي"، في واحدة من أشهر العبارات السينمائية في التاريخ: "أعتقد أنّ هذه هي بداية لصداقة جميلة". فيلم "Tenet"، كعنوانه تماماً، يقرأ العبارة بشكل عكسي.



السبت، 22 أغسطس 2020

Laura 1944


ليس من الضروري أن يكون القاتل هو القاتل !!

Laura






هناك محقق لا يذهب إلى مقر عمله أبداً، وفتاة ميتة معظم وقت الفيلم، ورجل يغار من فتاة بجنون. هؤلاء هم أبطال الفيلم الرائع والمدهش "لورا".

يحقق "مارك ماكفيرسون" في جريمة قتل "لورا هانت"، التي عثر عليها ميتة في شقتها قبل بدء الفيلم، ويشكّل "مارك" صورة ذهنية لـ "لورا" من المشتبه بهم الذين يقوم باستجوابهم، وقد ساعده في ذلك وجود اللوحة المرسومة لها، والمعلقة على جدار شقته


لكن من كان يريد قتل فتاة وكل رجل قابلته وقع في حبها؟! ومما زاد الطين بلة هو أن "مارك" نفسه يجد أنه وقع في حبها أيضاً، ثم في إحدى الليالي، وهو متوغل في عملية التحقيق، يحدث أمرٌ غريب وغير متوقع أبداً، يجعله يعيد التفكير في القضية بأكملها.



سر روعة الفيلم تكمن في الموسيقى التصويرية لـ "ديفيد راكسين"، التي أصبحت ثيمتها أيقونة هوليوودية أشهر من الفيلم نفسه، ومن المؤسف أنها لم تلقَ أي تقدير من الجوائز، ولكن ما إنْ عُرض الفيلم لأول مرة في السينما، أصبح الناس يتهافتون لطلب تسجيل موسيقى الفيلم، وبالفعل انتشرت على نطاق واسع، وعُزفت آلاف المرات، وتم استخدام لحن الثيمة الرئيسية في أغانٍ لمطربين مشهورين.


من أسرار روعة الفيلم أيضاً، صوت الراوي "والدو ليديكر". إنه كاتب وناقد صحفي، ونراه لأول مرة في حوض الاستحمام، وهو يكتب مقالاً بالآلة الكاتبة، وذلك بعد العثور على جثة "لورا"، حيث يأتي المحقق "مارك" إليه لاستجوابه بكونه من المقرّبين لها.



"
والدو" هو بمثابة الملاك الحارس لـ "لورا"، أو هذا ما يعتقده هو، ومن خلال الرجوع للماضي عبر مشاهد الفلاشباك يروي لـ "مارك" مراحل بداية علاقته بـ "لورا"، التي بدأت بتجاهلها واحتقارها في أحد المطاعم حين جاءته كمندوبة مبيعات.

لاحقاً يعتذر منها، ثم يصبح صديقها، ثم يتولى شئون حياتها، ويختار لها ملابسها وتسريحة شعرها، ويقدّمها للمجتمع الراقي، ويروّج لها ويزكّيها في عموده الصحفي.


إنه يقضي كل وقته معها، وحين يدخل إلى حياتها رجالٌ آخرون يقوم "والدو" بقصفهم في عموده الصحفي ليبعدهم عنها، ويصبح الأمر في منتهى الخطورة بالنسبة له حين يظهر الشاب "شيلبي" في حياتها ويقع في حبها ويقرر الزواج منها.


الحب لا يبدو مكتملاً في حياة "لورا"، ولا يبدو أنها و"شيلبي" مناسبين لبعضهما أو أن شرارة الحب مشتعلة بينهما، وكذلك بالنسبة لـ "والدو". إنه يكبرها في السن، ويريد امتلاكها والاستحواذ عليها، لدرجة أنه لا يكاد يلمسها.

آن تريدويل"، وهي من سيدات المجتمع، ومتيّمة بـ "شيلبي"، ولكنه لن يعرف ذلك ما لم تخبره هي، والمحقق "مارك" الذي يقع في حب الفتاة الميتة، الذي نجده في إحدى الليالي يدخل إلى شقتها، وينظر إلى رسائلها، ويتلمّس فساتينها، ويستنشق عطرها، ويشرب كأساً من قنينة خمرها، ويجلس متأمّلاً لوحتها على الجدار، كما لو أنه في موعد غرامي مع شبح.


المخرج "أوتو بريمينجر" أبدع بشكل رهيب في خلق رؤيته لهذا الفيلم، التي جعلته من أجمل أفلام الإثارة والغموض، ولا أنسى النص السينمائي المدهش والمبتكر الذي قام بصياغته كلٌّ من "سامويل هوفينستاين" و"جاي دراتلر" و"إليزابيث رينهارت"، والمبني أساساً على رواية لـ "فيرا كاسباري".

الفنانة "جين تيرني" تقمّصت شخصية "لورا هانت" بشكلٍ جميل وأخّاذ، وكان تأثيرها طاغٍ في الفيلم حتى وهي غائبة، والفنان "دانا أندروز" أبدع أيضاً بشخصية المحقق "مارك ماكفيرسون". النجم "فينسينت برايس" هو الآخر قدّم أداءً جميلاً بشخصية "شيلبي"، وكذلك النجمة "جوديث أندرسون" بشخصية "آن".



ولا أنسى الفنان "كليفتون ويب"، الذي أعتبره صاحب أقوى أداء في الفيلم، فقد قدّم أداءً مذهلاً بشخصية "والدو ليديكر"، بتعابير وجهه المريبة، ولكنته الجذّابة، وأسلوبه الخبيث، وما يدهشني أكثر هو أن هذا الفيلم الأول الناطق له في مسيرته السينمائية، فقد كان يمثّل في الأفلام الصامتة، وآخر ظهور سينمائي له كان قبل ١٩ عاماً من هذا الفيلم.


إنه أساساً ممثل مسرحي، وقد شارك في العديد من الأعمال المسرحية، ولم يقبل بالظهور في هذا الفيلم إلا بعد إلحاحات كثيرة من المنتجين، وبالفعل كان ذلك مجدياً، لأنه نجم الفيلم الفعلي.


حاز الفيلم على جائزة الأوسكار لأفضل تصوير، وترشّح لنيل ٤ جوائز أخرى لأفضل إخراج وأفضل نص سينمائي مقتبس وأفضل ممثل مساعد "كليفتون ويب" وأفضل تصميم مواقع.

الشعور الجميل الذي انتباني وأنا أشاهد هذا الفيلم الرائع ينطوي في كونه مبتكرأ ويكسوه الغموض، بمزيج من بهارات "هيتشكوك" و"وايلدر"، مع حبكة صادمة وغير متوقعة، ونهاية مثالية جداً، والتي صارع المخرج "بريمينجر" المنتجين لإبقائها كما هي بعدما طالبوه بتغييرها وحذف بعض المشاهد، ولكنه لم يرضخ لهم وشكّل فيلمه كما يريد تماماً.

لقد شاهدت هذا الفيلم أكثر من مرة، وفي كل مرة لا تتبادر إلى ذهني هوية القاتل حالاً، ليس لأنه شخص مجهول أو منسي، ولكن لأن المسألة معقدة جداً، فليس من الضروري أن يكون القاتل هو القاتل.

















الاثنين، 27 يناير 2020

Little Women 2019


أعظم اقتباس سينمائي لتحفة الكاتبة "لويزا ماي ألكوت"
Little Women



يفتتح هذا الفيلم مَشاهده بعبارة "واجهت العديد من المشاكل، ولذلك أنا أكتب قصصاً مسلّية". قائلة هذه العبارة هي الروائية الأمريكية المبدعة "لويزا ماي ألكوت". لقد شهدنا جميعاً، على مر الأعوام، اقتباسات سينمائية وتلفزيونية عديدة لتحفة "ألكوت" الأدبية "نساء صغيرات"، ولعلّ أشهرها هو الفيلم السينمائي الرائع الذي تم إنتاجه في عام 1994، للمخرجة "غيليان آرمسترونغ" ومن بطولة الفنانة "وينونا رايدر".

لقد قرأت رواية "نساء صغيرات" لأول مرة حين كنت في المرحلة الابتدائية، وأذكر أنها أسَرَتْني، وتعلّقت بعائلة "مارش"، وبعدها شاهدت المسلسل الكارتوني الياباني المقتبس من الرواية، الذي تم إنتاجه في عام 1981، والذي قام بدبلجته للعربية المركز العربي للخدمات السمعية والبصرية في الأردن، وقد كان جميلاً جداً، ولاحقاً تم إنتاج الجزء الثاني للمسلسل، الذي يُعرَف لدينا باسم "نوّار"، وقد كان جميلاً أيضاً.


لذلك أنا شخصياً أعتبر هذه الرواية أيقونة في الأدب الكلاسيكي العالمي، وقد تأثّرت كثيراً بالقصة وشخصياتها، وأستطيع أن أقول الآن أنني لم أشهد في حياتي اقتباساً سينمائياً للرواية بقوة هذه النسخة الحديثة للكاتبة والمخرجة الشابة المبدعة "غريتا غيرويغ". إنّه حقاً فيلمٌ عظيم ومذهل ورائع، ومن أفضل 20 فيلماً شاهدتهم في حياتي.

حين قرأت لأول مرة أن "غيرويغ" تستعد لنسخة سينمائية جديدة من "نساء صغيرات"، راودتني عدة تساؤلات: "هل نحن في حاجة إلى فيلم آخر؟!". "ما الجديد الذي ستضيفه هذه النسخة؟!". "هل غريتا غيرويغ هي الشخص المناسب لفيلم كهذا؟!".

تلك التساؤلات واردة جداً بشأن كل اقتباس لعمل مشهور ومكرر ومستهلك، فعلى سبيل المثال، كم مرة شاهدنا اقتباسات سينمائية وتلفزيونية ومسرحية لأعمال "وليام شكسبير"، وخصوصاً "هاملت"؟ هل كل نسخة تستحق المشاهدة؟ بالطبع لا. هناك العديد من المنتجين الذين يعيدون إنتاج أعمال مشهورة دون أيّة رؤية فنية جديدة، فبالتالي نرى إخفاقات مكررة ليس لها داعٍ من الأساس.


ما فعلته "غيرويغ" هو شيء جبّار ومدهش. لا يبدو أنها اقتبست الرواية، بل أعادت كتابتها وتطويرها، كما لو أنها مدقّقة أدبية على كتابات "ألكوت"، فقد اتّخذت عدّة قرارات لمعالجة القصة بالتلاعب في الخط الزمني، والتنقّل بين الماضي والحاضر، من خلال مشاهد الفلاشباك، وإعطاء بعض الشخصيات مساحة أكبر، وإضافة لمسة عصرية على الأحداث، كما أن صياغتها للحوارات كانت رائعة ومميزة.


في أول مشهد بالفيلم، نرى "جو" وهي شابة في نيويورك، تعيل نفسها بنفسها، وتبيع قصصها وكتاباتها لإحدى المجلات، وحين يدفعها صديقها "فريدريك" للكتابة عن حياتها وتجاربها الخاصة بدلاً من قصص القراصنة والأشباح، تنبعث إليها ذكريات طفولتها في ماساتشوستس مع والدتها الحنونة والمكافحة، وشقيقاتها الثلاث "ميغ" و"بيث" و"إيمي". والدها غائب عن المنزل، لأنه يقوم بواجبه في الحرب، وحينها "جو" كانت فتاة حيوية وتكتب قصصاً ومسرحيات كمصدر للدخل، وتقوم بتمثيلها مع شقيقاتها في المنزل، كما أنها كانت تعمل مرافقة لعمتها المسنة والبخيلة.

تلك العمة تريد من "جو" أن تنخرط في المجتمع الراقي، لكي تنال فرصة للزواج من أحد النبلاء. "جو" بإمكانها استغلال ذلك والرضوخ لعمتها وخدمتها وتحقيق رغباتها، ولكنها فتاة مليئة بالكبرياء وعزة النفس، ولا تنتظر شفقة أو صدقة من أي شخصٍ كان، كما أنها لا تفكر في الزواج بقدر ما تفكر في مستقبلها ككاتبة ناجحة.


نلتقي بالفتى الوسيم "لوري" من المنزل المجاور، الذي يصبح صديقاً مقرّباً للشقيقات، ويقع في حب "جو". جدّه السيد "لورانس" يعشق الاستماع إلى "بيث" وهي تعزف البيانو، لأنها تذكّره كثيراً بابنته الراحلة. "بيث" هي فتاة خجولة جداً ونادراً ما تخرج من المنزل بسبب مرضها. "ميغ" الفتاة الرقيقة والبسيطة تقع في حب "جون بروك"، وهو المعلّم الخاص لـ "لوري". "إيمي" الفتاة المشاكسة التي تصبح بديلة لـ "جو" كمرافقة للعمّة "مارش"، تجد نفسها منخرطة في المجتمع الراقي في أوروبا، وتطمح أن تكون فنانة مشهورة.


يجب أن أفترض أن معظمكم يعرف هذه القصة بالفعل، ولكن ما يجذبني هو طريقة السرد المبتكرة التي تتّبعها "غيرويغ". معظم الاقتباسات السابقة كانت تركّز بشكل محوري على "جو" دون غيرها من الشخصيات، وهنا نحن نتعرّف على "ميغ" و"بيث" و"إيمي" بشكل أكثر من المعتاد، ولذلك حين تصل القصة إلى نهايتها تكون الأمور أكثر واقعية ومنطقية، ولها مسوّغ واضح.

مسألة اختيار "لوري" لزوجته في نهاية المطاف، قد تبدو في الرواية أنها مجرد فكرة خاطفة خطرت على باله في لحظة ضعف، ولكن "غيرويغ" هنا استغّلت كل الوقت اللازم في بناء هذه العلاقة حتى يصل إلى قراره بقناعة تامّة. حتى مع التغييرات في سرد القصة يظل هذا الفيلم وفياً ومخلصاً تماماً للمصدر، ويُظهِر لنا اللحظات التي نتوقعها وننتظرها ونحبها في أي فيلم "نساء صغيرات" شاهدناه أو قد نشاهده، مثل جلوس الشقيقات حول والدتهن وهي تقرأ رسالة من والدهن، وردّة فعل الجميع حين تقص "جو" شعرها، وانتقام "إيمي" من "جو" بسبب موقف طائش.


يتضمن النص السينمائي أيضاً بعض اللحظات الفرعية المهمة، كالرواية تماماً، بإبراز سلوك المجتمع في ذلك العصر بمنتصف القرن التاسع عشر تجاه النساء وخياراتهن فيما يتعلق بالزواج والعمل والتأمين المالي، و"غيرويغ" بارعة وموهوبة جداً في صياغة تلك المشاهد بعفوية وسلاسة، دون التلاعب والضغط على قضية النسوية بشكل صاخب ومبالَغ فيه مثل ما نشاهده في الأفلام والمسلسلات في الفترة الأخيرة.

المونتاج كان متقناً، والتصوير السينمائي للفيلم كان مبهراً وخلّاباً، ومواقع التصوير كانت أيضاً جميلة ونقلتنا حرفياً لتلك الحقبة الزمنية، ولا أنسى الأزياء الرائعة للمصمّمة المبدعة "جاكلين دوران"، وكذلك الموسيقى التصويرية للمبدع "أليكساندر ديسبلا" كانت رقيقة وجميلة ومنسجمة جداً مع الأحداث.


في هذا الفيلم وفي فيلمها السابق والرائع "Lady Bird"، قامت "غيرويغ" بعمل مبهر ككاتبة ومخرجة، وهناك الكثير من الأمور المشتركة بين الفيلمين، وكلاهما يدور حول كاتبة شابة تترك المنزل، ولكن في هذا الفيلم، هي تعود إلى المنزل. سر روعة الفيلمين بعد إبداع "غيرويغ" هو الأداء المدهش من الفنانة الشابة "سرشا رونان"، ففي شخصية "ليدي بيرد" قدّمت واحداً من أقوى الأداءات في مسيرتها السينمائية، وها هي تعود بأداء أقوى وأجمل وأروع بشخصية "جو مارش".

منذ فترة طويلة لم أشاهد أداءً بهذه القوة لممثلة شابة، فقد أبدعت حقاً، فـ "رونان" ممثلة موهوبة جداً منذ أن كانت مُراهقة، حيث أدّت شخصية "برايوني" بشكل رائع في الفيلم الرائع "Atonement"، ونالت عنه ترشيحها الأول لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة مساعدة، وهي في سن الـ 17.


الفنانة الجميلة "إيما واتسون"، دائماً ما أحب مشاهدتها في الأفلام الفتراتية، مثل الفيلم الرائع "Beauty and The Beast"، وقد قدّمت هنا واحداً من أجمل أدوارها من خلال شخصية "ميغ". النجمة "إليزا سكانلن" أيضاً قدّمت أداءً جميلاً بشخصية "بيث". الفنانة "لورا ديرن" أبدعت هي الأخرى بشخصية الأم، ولا أنسى الفنانة المبدعة "ميريل ستريب" التي أمتعتني بظهورها القصير وأدائها المذهل بشخصية العمة "مارش".


الفنان "تيموثي شالاميه" هو من أفضل الممثلين الشباب في الفترة الأخيرة، فدائماً ما يبهرني بأدائه، وفي هذا الفيلم قدّم شخصية "لوري" بشكل جميل ومختلف عن المعتاد، وقد أبدع حقاً. النجمة الصاعدة "فلورنس بيو" هي صاحبة الأداء الأقوى بعد "سرشا رونان"، فقد أدّت شخصية "إيمي" بشكل مدهش ومبهر للغاية، وهذه النجمة لم تظهر في الساحة إلا مؤخراً، ولكنها أثبتت موهبتها وقدراتها الرهيبة في تقمّص مختلف الشخصيات، وأتوقع لها مستقبلاً زاهراً إن استمرت على هذا النحو، والآن أنا أترقب أعمالها القادمة بكل شغف. بقية النجوم، بمن فيهم: "كريس كوبر" و"تريسي ليتس" و"بوب أودنكيرك" و"جيمس نورتون" و"لوي غاريل"، أيضاً قدّموا أداءً مميزاً.


ترشّح الفيلم لنيل 6 جوائز أوسكار، لأفضل فيلم وأفضل نص سينمائي مقتبس وأفضل ممثلة "سرشا رونان" وأفضل ممثلة مساعدة "فلورنس بيو" وأفضل موسيقى تصويرية وأفضل تصميم أزياء.

ما يجعل هذا الفيلم قريباً جداً من قلبي هو روح الألفة، والحب الفطري الصادق، والجو العائلي الحميمي، والشعور الجميل الذي يخلقه في نفسي، فأنا من عشّاق الأفلام الفتراتية الأدبية العائلية والرومانسية، ولذلك أنا أضمّه إلى القائمة العظيمة بجانب الفيلم العظيم "Pride & Prejudice" للمخرج المبدع "جو رايت"، والفيلم العظيم "Sense and Sensibility" للمخرج المبدع "أنغ لي".


لقد كنت مبتسماً طوال الوقت، وأنا أشاهد هذه التحفة الفنية، التي بهرتني وأدهشتني وأسَرَتْني، بصحبة الشقيقات "مارش"، كشعوري تماماً بصحبة الشقيقات "بينيت"، والشقيقات "داشوود". شكراً "غريتا غيرويغ". شكراً "جو رايت". شكراً "أنغ لي". شكراً "لويزا ماي الكوت". شكراً "جين أوستن".


في النهاية هذا الفيلم ليس اقتباساً للرواية بقدر ما هو حول الرواية نفسها، وما تنتهي به "جو" في كتابة روايتها لدى الناشر المتطلّب "داشوود"، هو خلاصة لكل ما شاهدناه. إنها تكتب الفيلم إلى نطاق الوجود، إنْ جاز التعبير، بالتحكم في الوقائع والمصائر المتعددة للشخصيات، حتى نرى الرواية تُطبَع، وتُخيَّط، وتُربَط بالجلد، ومن ثم تُسَلَّم إلى "جو"، كما لو كانت هي مؤلفة رواية "نساء صغيرات"، وليست "ألكوت". إنها تقف هناك وهي مبتسمة وفخورة وراضية، والسكينة تغمر قلبها، ونحن أيضاً.