الجمعة، 16 أغسطس 2019

Parasite 2019

تحفة فنية حاصلة على ٤ جوائز أوسكار ...
Parasite


هناك شعورٌ يفوق الوصف حين تشاهد فيلماً وأنت لا تتوقع أنه سيكون تحفة فنية، ومن أفضل الأفلام التي شاهدتها في حياتك.
نعم، وبكل تأكيد. لقد اختبرت هذا الشعور الرائع خلال وبعد مشاهدتي للفيلم الكوري المدهش "طُفيلي"، الذي حصل بجدارة على ٤ جوائز أوسكار، لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نص سينمائي أصلي وأفضل فيلم عالمي، ليصبح أول فيلم أجنبي غير ناطق بالإنجليزية يفوز بجائزة أفضل فيلم في تاريخ الأوسكار، كما ترشّح لنيل جائزتين أيضاً، لأفضل مونتاج وأفضل تصميم مواقع.


إنه فيلم تراجيدي تشويقي مذهل ومتوغّل بكوميديا سوداء ساخرة وغريبة، ولا يخلو من الإثارة الدموية العنيفة والغموض، ويطرح مواضيع قوية وواقعية حول الوضع الاجتماعي المادي، والنظام الطبقي، والطموح، والأحلام والأمنيات، ووحدة وترابط وحب أفراد الأسرة، والأشخاص الذين يقبلون فكرة امتلاك الطبقة العاملة.
الكاتب والمخرج المبدع "جون هو بونغ" استطاع التلاعب بعقولنا وعواطفنا من خلال وضعنا في دوّامة من المشاعر المبعثرة والأحداث غير المتوقعة والحبكات الملتوية، لدرجة أننا لا نستطيع أن نحدد هل الشخصيات طيبة أم شريرة، ولا نعرف هل يجب أن نضحك أو أن نبكي على الواقع المرير؟!
بالنسبة عن نفسي، فقد أحببت الشخصيات وتقبّلت دوافعهم، وإنْ كنت فعلاً لا أؤمن بمقولة "الغاية تبرر الوسيلة"، ولكن هناك قوة تفوق إرادتي من خلال قدرة المخرج في إظهار رسالته الواقعية المريرة حول وضع البشر، ليس في كوريا الجنوبية وحسب، بل في العالم أجمع. بالرغم من كل ذلك، ضحكت بكل قوتي في كثير من المَشاهد واللقطات التي لا يُفترض أن تكون كوميدية، إلّا أنني أؤمن وبشدة بمقولة "شر البليّة ما يُضحِك".


من الممكن أن يكون هذا الفيلم أكثر دناءة وشرّاً، وأشدّ خطراً وعنفاً في إيصال رسالته لو استلمه المبدع "كوينتين تارانتينو"، حيث أن ثيمة الفيلم وأجواءه العامة تذكّرني كثيراً به، مع بعض البهارات الهيتشكوكية الفريدة، لكن النتيجة العامة كانت فيلماً ممتعاً وأنيقاً وخادعاً بمزجه الطبقي بين الشخصيات.
تدور أحداث الفيلم حول أسرة كورية فقيرة، مثقلة بالديون وتعيش في مكان بائس في الطابق السفلي في سراديب المدينة، لدرجة أنهم يحاولون التقاط إشارة الواي فاي من الجيران في الطابق العلوي، وأن يتحملوا رؤية الأشخاص المُشرّدين السُكارى الذين يتقيّئون ويتبوّلون عند نافذتهم، وحين يحصلون على فرصة للخروج من هذه الحياة الفاسدة بعدما يقوم الابن الشاب "كي وو" بالاحتيال لينال وظيفة معلّم دروس خصوصية لابنة أسرة غنية تعيش في منزل فاخر.
يعلم "كي وو" لاحقاً أن هذه الأسرة الغنية تبحث أيضاً عن معلّم خاص للفنون لابنهم الصغير والغريب الأطوار، فيقوم بتزكية شقيقته "كي جونغ" كمعلمة فنون مختصة وخبيرة، وبعد تعيينها تقوم بنصب كمين لسائق الأسرة الخاص لتسريحه وتوظيف والدها "كي تاك" مكانه. بعد ذلك تأتي مهمة استبدال مدبرة المنزل المخلصة والمتفانية في العمل، حتى تحل مكانها الأم "تشونغ سوك"، إذ سرعان ما توغلت تلك الأسرة في حياة أسرة أخرى بالاحتيال والخداع باتخاذ هويات وأسماء جديدة. لا أريد أن أكشف مزيداً من الأحداث، لأن ذلك سيفسد متعة مشاهدة هذه التحفة الفنية.


النص السينمائي المحبوك بقوة من خلال خط سير القصة وأحداثها بانسيابية متقنة جداً، بالحوارات الواقعية الرهيبة والساخرة، والتلميحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، جعل الفيلم يسير بنا دون أن نشعر بالوقت، حيث أن مدة عرضه تتجاوز الساعتين، إلّا أنّي شخصياً كنت منجذباً للشاشة طوال الوقت ومستمتعاً بكل لحظة، والفضل أيضاً يعود لطاقم الممثلين المبدعين الذين تقمّصوا أدوارهم بشكل رائع ومميز، حيث اتّسم أداؤهم بعفوية مُطلقة، جميعهم دون استثناء، وأما الجوانب الفنية الأخرى كالتصوير والمونتاج والموسيقى والديكور، فقد كانت متميزة جداً. لقد حقّق هذا الفيلم نجاحاً منقطع النظير من خلال تقييمات النقاد وأصداء الجماهير.


بالرغم من أن المخرج "جون هو بونغ" يريدنا أن نتعاطف مع جميع شخصيات فيلمه الأغنياء والفقراء، إلّا أن خط سير الأحداث سيجعلنا نتشوّش ومشاعرنا ستتأرجح. كل شخصية في نهاية المطاف تمتلك أنانيتها الخاصة فيما يتعلّق بأهدافها، والفيلم يركّز على الفقر المادي والمعنوي، واليأس والإحباط، وإلى أي درجة يمكن أن يصل إليها الإنسان للحصول على ما يُفترَض أن يكون له. لم أشهد توتراً في النظام الطبقي كما في هذا الفيلم.
كعنوانه تماماً، فيلم "طفيلي" سيظل عالقاً وملتصقاً بالمُشاهد للأبد، بغض النظر عن جنسيته وديانته وثقافته، فقوة القصة وُجدت في الطريقة الواقعية الملتوية في احتكاك "الدراما" و"الكوميديا" لتوليد قليلٍ من "الإثارة" التي تتحول إلى "الرعب"، حتى يلتقي "اليأس" بـ "الكراهية"، ثم تنطق "الحياة" قائلة: "التَهِم الغني، بكل الوسائل، واملأ بطنك، ولكن سرعان ما ستشعر بالجوع مرة أخرى، وستظل فقيراً".

الجمعة، 3 مايو 2019

Avengers: Endgame 2019




اللعبة تصل إلى نهايتها ..

Avengers: Endgame





الأمر أشبه بالحُلم، حين أنجرف عن العالم الحقيقي وأهوي إلى عالم خيالي ويأسرني بكافّة معالمه وتفاصيله وشخوصه، تماماً مثل ما حدث لي وأنا أشاهد سلسلة "هاري بوتر" العظيمة، وأيضاً سلسلة "سيد الخواتم"، وممّا لا شك فيه أنّ حُلم الإنسان ينتهي حين يستيقظ من النوم، وقد ينساه حالاً، حتى وإن كان حُلماً جميلاً ومليئاً بالأحداث.

بعض الأحلام تعلَق بالذاكرة، لأسباب لا نعرفها، وكأنها رسائل من السماء، وبعضها تتبخّر. الإنسان بطبيعته يحتاج لأن يحلم لكي يهرب من عالمه الحقيقي، ليس لأنّه عالمٌ سيئ أو أنّه غير قادر على مواجهته، بل لأنّ رغبات الإنسان اللاعقلانية وأفكاره غير المنطقية تحتاج إلى تلبية وإشباع، وهذا ما يحدث وأنت نائم.

أن تعيش حُلماً وأنت مستيقظ ليس بالأمر السهل على الإطلاق، إذ يجب أن تكون منسلخاً عن واقعيتك، ومنقاداً بشغفك نحو شغفك. صانع الأفلام أو الأحلام المبدع والشغوف يبدأ مشواره بحُلم، ثم يبني عالمَ حُلمِه بنفسه، ثم يعيش فيه، ثم يدخلنا إليه، فنعيش فيه.



ليس بهذه البساطة تماماً، فالأمر ليس بأيدينا، ولا بيد صانع الأفلام. لا أحد يستطيع أن يجبرك أن تحلم حلم معيّن، أو أن تعيش حلم شخصٍ آخر، ولكن بين الفينة والأخرى، قد نرى توليفة سحرية بين المرسل والمتلّقي، تقودهما لا إرادياً على التواصل والتناغم. ليس سببها ذكاء المرسل أو نباهة المتلّقي، ولكن عبارة عابرة استوقفتني قبل سنوات في الفيلم الرائع "La La Land"، والتي وردت على لسان الفنانة "إيما ستون"، حيث قالت: "الناس يحبّون ما يحبّه الآخرون بشغف". السر يكمن في الشغف، والشغف فقط.

من أصعب اللحظات التي تمر على الإنسان في حياته، هي لحظات النهاية. نهاية علاقة أو نهاية رحلة أو نهاية حياة. النهاية دائماً ما تكون صعبة، وتترك أثراً دائماً، سواء كانت سعيدة أو حزينة. على قدر تعلّقنا بالشيء نتعلّق بالنهاية، ولذلك نهاية الفيلم السينمائي الناجح تترك فينا أثراً، والسلسلة السينمائية التي استمرت لعقود تترك أثراً أكبر.

حين وصلت سلسلة "هاري بوتر" إلى نهايتها المحتومة قبل سنوات، لم أتمالك نفسي، لأني عشت معها حياة كاملة، بطفولتها ومراهقتها وشبابها، والنهاية كانت رائعة ومدهشة ولا تشوبها شائبة، والأمر نفسه ينطبق على النهاية الأسطورية لسلسلة "سيد الخواتم".




الأخوان المخرجان "أنتوني روسو" و"جو روسو"، بدآ في إخراج مجموعة  أفلام من عالم مارفل السينمائي، وأثبتا جدارتهما كمخرجَيْن متمكّنَيْن، فقد أبدعا حقاً في فيلمهما الأخير "Avengers: Endgame"، الذي تفوّق بمراحل على الفيلم السابق "Avengers: Infinity War"، وعلى كل أفلام عالم مارفل السابقة، وبالتأكيد على كل أفلام عالم DC التي لم تصل إطلاقاً إلى مستوى أفلام مارفل، ولذلك حاولت DC أن تسير على خطى مارفل بالأسلوب المتبّع في معظم أفلامها لكي تنجح جماهيرياً، كفيلمي DC الأخيرين "Aquaman" و"Shazam!"، اللذين كانا ممتعين حقاً، بطريقة أفلام مارفل، على عكس أفلام DC السابقة والفاشلة التي أخرجها المخرج الغير مؤهّل إطلاقاً "زاك سنايدر".

بعد انطلاقة أفلام عالم مارفل السينمائي في عام 2008 مع فيلم "Iron man"، الذي لاقى نجاحاً جماهيرياً باهراً وإشادة من النقّاد، تم إنتاج العديد من الأفلام الرائعة والمتميزة على مدى الأعوام اللاحقة، حتى وصلت إلى 22 فيلماً سينمائياً، وآخرها فيلم "Avengers: Endgame".

بلا أدنى شك، هذا الفيلم هو أفضل فيلم لمارفل على الإطلاق، فقد كان متكاملاً ومدهشاً وممتعاً ومبكياً، وبرغم مدة عرضه التي تصل إلى 3 ساعات، إلا أنني لم أشعر بالوقت أبداً، إذ لم تكن هناك أية لحظة مملّة، بل على العكس، فقد شعرت أنني أريد وقتاً أطول لأقضيه مع هذا الفيلم.



نهاية الفيلم!! لا يمكنني أن أتصور نهاية أفضل، فقد كانت مستوفية ومنصفة لكل الأحداث والشخصيات والأمور العالقة، والفضل يعود لكاتِبَيْ النص "كريستوفر ماركوس" و"ستيفن ماكفيلي"، فقد أبدعا حقاً في صياغة النص السينمائي للفيلم. أداء طاقم الممثلين كان رائعاً من الجميع دون استثناء، ولا أنسى المستوى الفني والتقني المبهر للغاية.

أنا وللعلم من الأشخاص الذين لا يُخترقون بسهولة في الأفلام، ولست ممّن يتأثرون بهذه البساطة، إذ دائماً ما تكون لدي نظرة عميقة على الفيلم، وأركّز على كل زاوية فيه، ناهيك عن ذائقتي السينمائية الصعبة، لكوني صانع أفلام ومتابع شغوف، ولذلك حين أشاهد فيلماً سينمائياً عظيماً، أقف له وقفة تحية وإعجاب وتقدير.

بدأت منذ أعوام بإنشاء قائمة لأجمل 100 فيلم شاهدتهم في حياتي على موقع الأفلام الشهير imdb ومعظم تلك الأفلام كتبت عنها مقالات تحليلية في كتابي السينمائي "رأيت ذات فيلم"، وكان أحدث فيلم أضفته للقائمة هو الفيلم الجميل والمدهش والرائع "The Hateful Eight" للمبدع "كوينتين تارانتينو"، وذلك في عام 2015، وقد مضت 4 أعوام منذ ذلك الوقت، ولم أشاهد أي فيلم يستحق أن يدخل في قائمتي، حتى شاهدت فيلم "Avengers: Endgame"، الذي أبهرني جداً، وأنا سعيد لأضمّه لتلك القائمة بكل جدارة.



بعد الأحداث المؤسفة في فيلم "Avengers: Infinity War"، حيث قام الشرير "ثانوس" بإبادة نصف الكائنات الحية من الأرض، ومن بينهم مجموعة من الأبطال الخارقين كـ "سبايدرمان" و"دكتور سترينج" و"بلاك بانثر"، وقد ظلّ الأبطال الآخرون، "آيرون مان" و"كابتن أمريكا" و"ثور" و"هالك" و"بلاك ويدو" و"كابتن مارفل" والبقية، يحاولون إيجاد حلٍ لذلك، حيث أن "ثانوس" لا يزال حُرّاً طليقاً، ولا يستطيع أيٌ منهم مجابهته، وخصوصاً بامتلاكه للأحجار الستة، التي تعطيه قوة خارقة لا تُقهر.

الفنان المبدع "روبرت داوني جونيور" هو سر جمال الفيلم، فهو البطل الرئيسي بشخصية "آيرون مان" الذي انطلقت منه أفلام عالم مارفل، وهو البطل الأكثر حكمة والأكثر ذكاءً والأكثر تهوّراً، ووجوده في فريق "الأفنجرز" مهم جداً. في هذا الفيلم نراه بائساً ويائساً وغاضباً، حيث أنه يشعر بالخيبة والعار من فشلهم في المعركة مع "ثانوس".

الفنان "كريس إيفانز" بشخصية "كابتن أمريكا"، لا يزال محافظاً على رباطة  جأشه، إذ يحاول إبراز نفسه كالبطل الشجاع الذي لا ييأس، ويخفي حزنه وشعوره بالحنين لحياته الماضية التي تجدّمت لـ 70 عاماً، والتي فقد خلالها كل ما يمكن أن يكون الآن ذكرى جميلة، وخصوصاً عشيقته "بيغي كارتر" التي لم يستطع نسيانها أبداً.



الفنان "كريس هيمسوورث" بشخصية "ثور"، هو بالطبع البطل الوسيم والمفتول العضلات، والذي يعتبر نفسه أقوى بطل في فريق "الأفنجرز"، ونراه هنا بمظهر يثير الشفقة، حيث يعزل نفسه وينطوي عن شعبه بعد محاولة يائسة وفاشلة بإنقاذ العالم من "ثانوس".

الفنان "مارك روفالو" بشخصية "هالك"، قد يكون هو البطل الأكثر تقبّلاً للوضع الحالي، إذ كأنه يحاول أن يعيش حياته ويطوّر خط التواصل بين شخصيته الحقيقية كـ "بروس بانر"، مع شخصية "هالك"، وقد نجح في ذلك.

الفنان "بول رود" بشخصية "آنتمان"، هو البطل الوحيد الذي لم يكن موجوداً أثناء عملية إبادة "ثانوس" للجميع، فقد ظلّ حبيساً في عالم الذرّية الكمّية في مهمة خاصة، وحين يخرج مصادفةً يجد أن العالم انقلب رأساً على عقب. شخصيته لها دور كبير في تحديد مسار بقية الأبطال في خط أحداث الفيلم.



الفنانة "سكارليت جوهانسون" بشخصية "بلاك ويدو"، والفنان "جيرمي رينر" بشخصية "هوك آي"، والفنان "دون تشيدل" بشخصية "جيمس رودز"، والفنانة "كارن غيلان" بشخصية "نيبولا"، كان لهم دور كبير في أحداث الفيلم.

الفنانة "بري لارسون" برغم ظهورها القصير بشخصية "كابتن مارفل"، إلّا أن وجودها مهم وملموس، وكذلك الفنان "بينديكت كومبارباتش" بشخصية "دكتور سترينج"، الذي هو وحده يعرف كيف سينتهي الأمر وماذا يجب أن يحدث حتى يتم القضاء على "ثانوس". الفنان "توم هولاند" بشخصية "سبايدرمان" هو البطل المراهق الوحيد، والذي يبدو كشعلة من النشاط والأمل، وكأنه صورة مصغّرة لـ "آيرون مان".

قد تكون شخصية "بلاك بانثر" التي أدّاها "تشادويك بوسمان" هي الشخصية الوحيدة التي لا أستسيغها، حيث أنني معجب بكل أفلام مارفل، ما عدا فيلم "Black Panther"، الذي أعتبره الأضعف، ولا يستحق أبداً ذلك الزخم الذي حققه على مستوى الجماهير والنقاد، وأستغرب كثيراً ترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم.



شخصيات فريق "حراس المجرة" الذين انضموا إلى أبطال فريق "الأفنجرز" هم جميعهم ظريفون ووجودهم يضيف للفيلم لمسات جميلة ومميزة، وخصوصاً شخصية "روكي"، الذي قام بأداء صوته الفنان "برادلي كوبر"، وبقية النجوم "كريس برات" بشخصية "ستارلورد" و"زوي سالدانا" بشخصية "غامورا" و"ديف باتيستا" بشخصية "دراكس".

الفنان "جوش برولين" بشخصية "ثانوس" قدّم واحداً من أقوى أدوار الشر في أفلام الكوميكس. "ثانوس" ليس شريراً بمعنى الكلمة، فشخصيته غامضة وبها جانب إنساني، ولا أستطيع أن أكرهه حقاً، وفي نفس الوقت لا أريده أن ينتصر. شخصيته الهادئة والباردة الأعصاب تذكّرني بـ "فولدمورت"، ذلك الساحر الشرير الذي سبّب رعباً لا يوصف لعالم السحرة في سلسلة "هاري بوتر".

فيلم "Avengers: Endgame" هو فيلم رائع ومتقن ومتميز، ومن عوامل روعته أيضاً الموسيقى التصويرية الجميلة للمبدع "ألان سلفيستري". هناك الكثير من اللحظات المضحكة واللحظات المبكية واللحظات التي تحبس الأنفاس. إنه فيلم يهيّج المشاعر والعواطف بشكل غير مسبوق لفيلم من أفلام الكوميكس. من المؤسف أن الفنان "ستان لي" رحل قبل أن يشاهد هذه التحفة الفنية، ولكني سُعدت بإطلالته الأخيرة في أحد المشاهد.



من منا يحلم دائماً أن يعود بالزمن إلى الوراء لكي يصحّح أخطاء الماضي ويعيد الأمور إلى نصابها؟! أو أن يلتقي بوالده الراحل أو بوالدته الراحلة أو محبوبته الراحلة؟! هذا الفيلم يحقّق لنا ذلك، ويرينا كم نحن نحتاج أن نتعلم من الماضي لنعيش الحاضر بشكل لائق كي نكون مستعدين لما يخبّئه المستقبل. "آيرون مان" و"كابتن أمريكا" و"ثور" كانوا محظوظين كثيراً في رحلة العودة بالزمن، ليس لأجل خطتهم للإطاحة بـ "ثانوس"، بل لأنهم استطاعوا أن يجدوا منفذاً من حياتهم المشتتة ويعيشوا لحظات قصيرة لا تُعوّض مع أشخاص عزيزين لا يُقدّرون بثمن. ربّما ليست لحظات قصيرة وحسب، بل حياة كاملة قد تصل إلى 70 عاماً.

قد يكون هذا الفيلم هو رحلة الوداع لأولئك الأبطال الثلاثة، الذين سيسلّمون الراية لبقية فريق "الأفنجرز"، وستتضح الرؤية أكثر مع الفيلم الأخير للمرحلة الثالثة لأفلام عالم مارفل السينمائي، وهو فيلم "Spider-Man: Far From Home"، الذي سيُعرض في السينما في يوليو 2019.

هناك عبارة علقت في ذهني، والتي وردت على لسان أحد الشخصيات، حيث قال: "جزء من الرحلة هو النهاية". بالطبع، النهاية!! ربما الآن، أكثر من أي وقت مضى.

الاثنين، 23 يونيو 2014

Jane Eyre 2011


Jane Eyre

 قصة فتاة بسيطة تملك أجمل وأطيب قلب في العالم

 

القصص الرومانسية الكلاسيكية تجذبنا بقوة، وهي تشتهر بالبطلات العفيفات البسيطات والأبطال المكتئبين الغامضين الذين يتجوّلون في قصورهم، حيث الظلام يسود المكان والأسرار الدفينة تختبئ في الزوايا. رواية "جين إير" للكاتبة "شارلوت برونتي" تعتبر من أعظم الروايات الكلاسيكية، فقد كانت قفزة مدهشة وقوية في الأدب العالمي.
التوتّر غالباً ما يتولّد بسبب انجذاب فتاة عذراء لرجل خطير، ولكن الأمر البائس هو أن البطلة هي الأفضل، ويجب عليها أن تكون فخورة وشريفة وشجاعة ومثالية. انجذابها للرجل المشؤوم يجب أن يكون مبنياً على الشفقة وليس على الخوف، وهو يجب عليه أن يستحق مثاليتها.
هذا الفيلم الرائع "جين إير" والذي سبقته عشرات الاقتباسات لنفس الرواية، استطاع فهم الصفات الدقيقة للشخصيات، وأيضاً الفن المعماري الذي يجسّد تلك الحقبة الزمنية. الفيلم يبدأ مع البطلة "جين إير" وهي تركض في العراء والخوف يملأ قلبها، فقد هربت من مكان كئيب لتجد نفسها تسير في شوارع أكثر كآبة، كما لو أن الطبيعة تتآمر عليها. لم تكن هذه الافتتاحية التي توقعناها و"جين" فتاة شابة، ولكن بعد ذلك ترجع بنا ذاكرة الفيلم لمرحلة طفولتها البائسة مع عمّتها القاسية، والمدرسة الداخلية التي تستمتع بتعذيب الطالبات.
"جين" وُصِفَت في الرواية بالفتاة البسيطة. هنا تلعب دورها النجمة "ميا واسيكوسكا" التي أدّت دور البطولة في فيلم "أليس في بلاد العجائب" مع الفنان "جوني ديب"، وهي بعيدة جداً عن البساطة، وقد حوّلت نفسها إلى فتاة شاحبة وحادّة الطباع، وتحتاج لأن تُسقى قليلاً من الحب. تم توظيفها من قبل الشاب المتزمّت "روشيستر" لكي تقوم بتوفير الرعاية للفتاة الصغيرة "أديل" التي تعيش في قصره المعزول. كيف وصل به الأمر ليقوم برعاية طفلة صغيرة تحت وصايته؟؟ هذا سؤال مهم ويندرج ضمن قائمة أسئلة كثيرة والتي يمكن أن تجيب عليها السيدة "فيرفاكس" مدبّرة القصر الطيّبة.
سواء قرأتم الرواية أم لا، هنالك أسرار نكتشفها لأول مرة، أو أنّنا لم ننتبه إليها مسبقاً، ووظيفتها هي تزويد "روشيستر" بسبب شريف لكي يقوم بعمل غير مشرّف، وبالتالي المحافظة على القيم الأخلاقية في ذلك الوقت. الرواية في الواقع تدور حول الجاذبية الممنوعة للطرفين والتوتر الناجم بين "جين" و"روشيستر". كثيرٌ من القوة تتولّد من المشاعر المكبوتة، أو بالأحرى "شارلوت برونتي" كانت تكتب عن مشاعر النساء الرقيقات في عصرها واللّاتي لا يفترض بهن أن "يشعرن".
الفيلم من إخراج "كاري فوكوناغا" والذي قام في هذه النسخة الحديثة بإظهار المشاعر بكثافة بين الشخصيات المنغلقة على نفسها. إنه مخرج يتمتع بحس بصري فائق، فقد أضفى على الفيلم لمسة جمالية بمواقع التصوير المذهلة وتصميم الديكور الخلاّب، وقد ترشّح لجائزة أوسكار عن أفضل تصميم أزياء بعام 2011، ومن العناصر المهمة في الفيلم هي الموسيقى الرقيقة الناعمة التي قام بتأليفها المبدع "داريو ماريينيلي".
روعة الفيلم من روعة الرواية، وطاقم التمثيل مميز جداً. "مايكل فاسبندر" أبدع في تقديم شخصية "روشيستر" كما في الرواية تماماً، والفنان الموهوب "جيمي بيل" يعود مجدداً إلى عالم الإبداع بشخصية مهمة في الفيلم بعد دوره الآسر في فيلم "بيلي إليوت"، ولا ننسى الفنانة المخضرمة "جودي دنش" التي تبدو حقاً من نساء ذلك العصر الجميل، ولا طالما كانت وستظل من أعظم نجوم السينما وخصوصاً في أدوار شخصيات العصور القديمة.
"ميا واسيكوسكا" أثبتت جدارتها وموهبتها من خلال شخصية "جين إير" والتي بدت مناسبة للدور لأنه في الواقع يفترض بـ "جين إير" ألاّ تبدو جميلة بل مقبولة الشكل. هذه هي أوصاف الكاتبة للشخصية في الرواية، وأنا أجد ذلك أمراً مميّزاً حقاً، فنادراً ما نقرأ عن بطلة قصة رومانسية تفتقر للجمال الخارجي، ولكن كم مرة قرأنا قصة عن فتاة بسيطة جداً تملك أجمل وأطيب قلب في العالم؟!
 


 

الأحد، 22 يونيو 2014

Awakenings 1990


Awakenings
دعوة لتأمُّل غرائب وعجائب شخصية الإنسان
 

 
نحن لا نعرف ما الذي نراه عندما ننظر إلى "ليونارد"، فقد نظن أننا نرى جماداً، أو رجلاً غريباً قد تم تجميده لمدة ثلاثين عاماً على نفس الوضعية. إنه لا يتحرك، ولا يتكلم!! ما الذي يدور في عقله؟ هل هو يفكّر؟ بالطبع لا!! هذا ما يقوله أحد أخصّائيي الأمراض العصبية في فيلم "الصحوات". لماذا؟ "لأنّ آثار ذلك المرض غير قابلة للتصوّر". آه، لكن هذا الخبير مخطئٌ تماماً، وداخل الغلاف الجامد لجسمه، "ليونارد" لا يزال هناك.. ينتظر.
"ليونارد" هو واحدٌ من مجموعةِ مرضى بمستشفى "برونكس" للأمراض العقلية، واتّضح أنّه لا يُمكن عمل شيءٍ من أجلهم، فقد كانوا ضحايا "مرض النوم العظيم"، وهو وباء انتشر في عشرينيّات القرن الماضي، وبعد فترة من الشفاء الواضح تراجعت حالتهم من جديد وذلك في عام 1969، والمرضى لديهم العديد من الأعراض المختلفة، ولكن في النهاية هم جميعاً يعيشون نفس المشكلة، حيث لا يستطيعون جعل أجسامهم تعمل وفق رغباتهم، وأحياناً ذلك الاعتراض يتجلّى من خلال سلوك فيزيائي غريب، أو من خلال عجزٍ واضح.
في أحد الأيام يأتي طبيبٌ جديد للعمل بالمستشفى، وليست لديه الخبرة في علاج المرضى، حيث أن مشروعه الأخير كان عن ديدان الأرض، ويبدو كغيره من الأطباء اليائسين من حال المرضى. يقوم الطبيب بالتحدّث مع إحدى المريضات، وهي تنظر إليه بجمود، ثم تقع نظارتها، ويرى كيف تكون ردّة فعلها في التعامل مع الموقف، من خلال محاولتها تحريك عينيها ويديها، ويكتشف الطبيب حالاً أنها لا تستطيع أن تتحرك وفق إرادتها.
هذا هو الاكتشاف العظيم في بداية فيلم "الصحوات"، الذي يمهّد لمَشاهد الفرح والحزن، وعلى الرغم من كون المرضى "يقظين" لحريتهم الشخصية والتي فقدوا كل الآمال بعيشها مجدداً، فقد وجدوا أن حريّتهم تأتي مع "قائمة شروطها القاسية".
الفيلم من إخراج "بيني مارشال"، وقد اقتُبِسَ من كتاب الطبيب البريطاني "أوليفر ساكس" الذي عاش القصة، ولعب دوره الفنان "روبن وليامز" والذي سُمِّي بالفيلم "مالكوم ساير". ما اكتشفه في عام 1969 كان دواءاً جديداً لعلاج مرض الشلل الرعاش، والفيلم يتبع 15 مريضاً من هؤلاء، وخصوصاً "ليونارد" الذي يؤدي دوره الفنان "روبرت دي نيرو" بإبداع وإتقان. الفيلم لا يهدف إلى إهدار دموع المشاهدين، بل يدعوهم لمراقبة عملية فحص بارعة لحالة إنسانية قاسية، والأمر يعود لـ "دي نيرو" بجعل "ليونارد" لا يبدو كأداةِ شفقة، بل كشخصٍ يجعل الجميع يتساءلون عن مدى غموض من حولهم.
المرضى يصوِّرون في هذا الفيلم أنّ معاناتهم أكثر فظاعة من الشخص الذي يوضع في تابوت وهو لا يزال حيّاً، فإنه سيختنق بسرعة وتنتهي معاناته، ولكن كون الشخص حبيس جسمهِ ولا يستطيع أن يتحرّك أو أن يتكلّم كما لو كان قطعة أثاثٍ مُهمَلة!! إنه ذلك المصير الذي رُفِعَ عنهم في صيف 1969، حين قام الطبيب بتجربة دوائه على المرضى، وفي حالة أشبه بالمعجزة، أجسامهم بدأت بالذوبان، واستطاعوا أن يتحركوا وأن يتكلموا من جديد، وبعضهم كان قد عاش 30 عاماً من الأسْرِ الذاتي.
الفيلم يراقب "ليونارد" من خلال مراحل صحوته، فقد كان ولداً محبوباً إلى حين تمكّن المرض من التوغّل فيه وبقائه في المستشفى طيلة ثلاثة عقود، وفي عقده الرابع تنبعث إليه الحياة من جديد ويشعر بسعادة غامرة لقدرته على الحركة والتعبير عن نفسه، ويتعاون مع الأطباء في دراسة حالته، ويجد نفسه منجذباً لإبنة أحد المرضى، والحب يحرّك مشاعره للمرة الأولى.
الطبيب "ساير" هو الشخصية الرئيسية في أغلب المشاهد، وهو سجينٌ أيضاً، بالخجل وعدم الخبرة. هذا الدور هو واحدٌ من أروع أدوار "روبن وليامز". قدّم شخصية رجل جدير بأن يُحَبّ في هذا الفيلم، والذي حَظِيَ بعيش تجربته الرائعة بمشاهدة المرضى الجامدين وهم يرقصون ويغنّون ويحيّون أحبّاءَهم مرّة أخرى.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة، ليس بعد الأسابيع الأولى. المرض ليس قضية تُفتَح وتُغلَق، ومع تكشّف ستار الفيلم، نكون مدعوّين لتأمُّل غرائب وعجائب شخصية الإنسان. من نحن بطبيعة الحال؟! إذا كان الشخص يائساً، ماذا يجب أن يفعل؟ أن يبقى يائساً أم أن يُعطى أملاً ثمّ يخسره من جديد؟؟
حصل الفنان "روبرت دي نيرو" على ترشيح لجائزة الأوسكار بعام 1990 لأفضل ممثل عن أدائه الرائع لشخصية "ليونارد"، وترشّح الفيلم أيضاً لجائزة أفضل فيلم وأفضل نص سينمائي مقتبس. نقل لنا الفيلم الشجاعة الهائلة للمرضى والتجربة العميقة للأطباء، وبطريقة ما شهدوا جميعاً تجربة جديدة.. تجربة أن تولد من جديد، وأن تفتح عينيك وتكتشف أنّك حيّ.
 


 

Confessions 2010


Confessions

خطّة انتقامٍ جهنّمية تقلب الشخصيات رأساً على عقب

 

إنّه ذلك الشعور النادر الذي يجعل الأمر مبهجاً حين تقومون بإنقاذ بعض اللحظات من فيلمٍ غرق في بحر التألُّق. إنّه غامضٌ ومُربك. فيلم "اعترافات" الذي أنتج بعام 2010 هو حرب نفسية مليئة بالإثارة، ويعالج مواضيع تتعلّق بالعدالة الشعرية والانتقام، والتي تُقدَّم ببرود تام على نغمات متوازنة من الشر المدمّر. استعدّوا لأن يتم اصطيادكم بصنارته الطويلة من البداية ولغاية ثلاثين دقيقة، قبل أن تصل الأمور إلى حالة تأهب كامل لرحلة عنيفة تقشعر لها الأبدان مع شخصيات قوية مليئة بدوافع منحرفة في جميع الأنحاء.

أخرج الفيلم "تيتسويا ناكاشيما" وكذلك كتب النص السينمائي باقتباسه من رواية لـ "كاناي ميناتو". القصة ستنوّمكم مغناطيسياً بعرضها لوجهات نظر من شخصيات متعدّدة، وكل الشخصيات تتداخل بشكل جوهري مع بعضها الآخر، وجميعهم يقعون تحت أسر الفيلم الذي نفِّذ بأسلوبٍ أنيق.

سترون أموراً لم تخطر في بالكم قط وأنتم تشاهدون فيلم إثارة كهذا، وذلك المشهد التمهيدي في الصف الدراسي وحده يستحق المشاهدة مراراً وتكراراً، بتنسيق أسلوب التباين الصوتي فيه إلى الكمال، حين نجد معلّمة لا تستطيع السيطرة على صفّها، وكيف تحاول وبلا مبالاة أن تفعل ذلك لغاية انفجار القنبلة التي أحدثت صمتاً تلقائياً مصحوباً بخوف شديد.

المعلمّة تدعى "يوكو"، والتي قُتلت ابنتها على يد طلّاب محدّدين في صفّها الدراسي. بدلاً من تحدّي حكم القضاء ومعرفتها التامّة أنّ القاصرين يحميهم قانون العقوبات في البلاد، تقوم بإعداد خطة جهنمية تقلب الصف الدراسي رأساً على عقب وتضع الطلّاب وسط دوامّة من الشكوك، بل وأيضاً تضربهم على الوتر الحسّاس، وتراقب الأمور برويّة وتستغل نقاط ضعفهم. ربّما تكون هذه أفضل طريقة يتّبعها من يريد التعامل مع شرٍ لا يوصف.

هذا الإجراء في خطّتها يشكّل الجزء المتبقّي من الفيلم والذي يُروى من وجهات نظر مختلفة بأسلوب يقوم على سلسلة من الاعترافات الشيّقة، ومن هنا جاء عنوان الفيلم. الشخصيات تدرس للوصول إلى الكمال، والملاحظات الاجتماعية تمتزج بذكاء حول هِستيريا المراهقين الضالّين في وقتنا الحاضر، ورغبتهم الشديدة في إثبات وجودهم وكسب اهتمام الغير، وأن يكون الفرد منهم أعلى من الجميع.

الأمهات يشاركن في اللعبة، والفيلم يثير فكرة في هذا الجانب من الطبيعة البشرية، وهي عامّة جداً. أمٌ تفقد ابنتها وأخرى تصرُّ على دفاعها الأعمى ضد الاتّهامات التي توجّه لابنها. من منّا لا يعرف قوة حب الأم وإلى أي مدى ستصل لحماية أبنائها؟؟ هنا نرى فاجعة مريرة ألمّت بمعلّمة وكيف تقودها للانتقام البارد، ويصبح كل من حولها كقطع الشطرنج وهي لها مُطلق الحريّة بتحريك أيّة قطعة وفق إرادتها.

حرص المخرج على جعل المُشاهد ملتصقاً بكل ما يظهر في الشاشة والشكر موصول للمصوّر المبدع الذي اختار بعدسته أروع اللقطات لهذا الفيلم، مدعوماً بموسيقى مميّزة تعزّز الجو البصري الغامض. لقد وقعتُ تحت تأثير مجموعة من المَشاهد بالحركة البطيئة والتي استخدمها الفيلم ببراعة. إنّها تجلب إحساساً غريباً بالإيقاع الهادئ الذي يخون كل السواد الذي يغمر النغمات والغموض الذي يتخمّر باستمرار في القصة.

لا يوجد هناك أي مشهد ضائع أو معزول، فكل المَشاهد تحرّك القصة نحو الأمام بشكل جذّاب، وتجعلنا نخمّن ما سيحدث من مفاجآت، ونرتبط بصمت مع العدالة بأي شكل تتّخذه، حتى وإن كنّا غير قادرين على ذلك بما أنّ الإجرام بدأ من الأطفال. للمذنبين منهم، تختار المعلّمةُ العقابَ الذي سيكون له صدى عميق في جميع مراحل حياتهم، والواضح جداً أنّه طريق طويل للغاية.

طاقم التمثيل من المراهقين هو المسيطر في الفيلم. لقد قدمّوا أدوارهم بشكل رائع، ولا يمكن لأحد أن يتصوّر الأفكار التي تدور في أذهانهم من خلال تقمّصهم شخصيات هي أساساً مضطربة عقلياً وغير سليمة لفعل ما فعلوه. العنف قد يكون مقلقاً لأصحاب القلوب الضعيفة، ليس لأن هناك مَشاهد دموية، بل السيكيولوجيا النفسية ستجعلهم يزحفون على جلود المجرمين ورؤية الأمور من وجهة نظرهم المضطربة.

الفيلم الياباني "اعترافات" هو دراما انتقامية، ومثلما تشتد الروابط بين الضحايا والمجرمين، تتصاعد الأحداث إلى نهاية رائعة تقشعر لها الأبدان. "أنا أمزح فقط!!!".. ما هي الهاوية التي تكمن وراء هذه الكلمات؟ لا أحد صافي القلب، والبشر هم أغرب المخلوقات حقّاً. المخرج العبقري "تيتسويا ناكاشيما" لم يضف ملعقة سكّر لفنجان قهوته السوداء، ومع ذلك نشربها ولا نشعر بمرارتها. إنّ في تلك المرارة حلاوة لا يشعر بها إلّا من يتذوّق الفن.

تستطيعون البقاء في جحيمكم الخاص، بينما الشمس تشرق في مكان آخر، والأشجار ترقص مع الريح والأزهار تتفتّح، وطلّاب المدرسة يركضون وهم سعداء لأنّ عطلة الربيع قد بدأت. كم هو عالمٌ جميل، وكم هو بشع لو بحثنا فيه جيّداً.



 

السبت، 21 يونيو 2014

Kramer vs. Kramer 1979


Kramer vs. Kramer

صراع حاسم وقرارات مصيرية ولحظات لا تُنسى من واقع الحياة

 


فيلم "كريمر ضد كريمر" لن يكون رائعاً وممتعاً وجاذباً للانتباه لو تحيّزَ لجانبٍ معيّن، فهو يدور حول مسألةٍ غنيّة بالفُرَص المتاحة لاختيار أحد الجانبين. تتمحور الأحداث حول قضية طلاق وصراع من أجل حضانة طفل، ولكنّ المهم في قصةٍ كهذه – سواء في الأفلام أو الحياة على أرض الواقع – ليس مَن هو على صواب أو على خطأ، بل قدرة الأشخاص المعنيين بالحدث على التصرّف بشكلٍ أفضل وفقاً لطبيعتهم الخاصة.

يبدأ الفيلم مع زواجٍ مليءٍ بالتعاسة والأنانية وينتهي بشخصَيْن منفصلَيْن كلاهما تعلّم أموراً مهمّة حول الطريق الذي يجب أن يسلكه. هناك طفلٍ حُشِرَ في وسط كل ذلك، وهو "بيلي" الطالب في الصف الأول. لكن هذا الفيلم ليس حول محنة الطفل، بل هو حول محنة الآباء.

جرت العادة في الأفلام أن يقوم المخرجون برصد مثل هذه القصص من خلال وجهة نظر الطفل، وإظهاره في هيئةٍ تثير الشفقة بملامح الحزن والإحباط، وأن يُلاقي إهمالاً من الكبار، ولكن ماذا لو كان الكبار ليسوا كباراً حقاً؟ وماذا عن عائلةٍ كلُّ فردٍ فيها عبارة عن طفلٍ يبكي ليلقى الاهتمام ويبحث عن هويّته؟

هذا هو الحال هنا. السيد "كريمر" هو رجل مدمن على عمله كمديرٍ تنفيذي لإحدى شركات الإعلانات، وأفكاره كلّها متركّزة حول عمله، لدرجة أنّه حين يعود للمنزل وزوجته تبلغه عن عدم تحمّلها لهذا الزواج، بالكاد يستمع إليها ولا يأخذ حديثها على محمل الجد، لكن السيّدة "كريمر" تخرج من المنزل وتقول إنها تحتاج وقتاً لكي تجد نفسها الضائعة.

على الفور نصبح على مقربة من اختيار الجانبين وإلقاء اللوم، فنسأل: كيف لها أن تخرج من المنزل وتترك ابنها؟ ولكن لا يمكننا حقاً طرح هذا السؤال بكل مصداقية، لأنّ ما رأيناه من الزوج هو سبب مقنع فعلاً للقرار المصيري الذي اتّخذته الزوجة، فربّما هي استغنت عن أسرتها وغادرت، ولكنّه بالكاد كان جزءاً منها. إنّه غير منظّم، ويتأخر في عمله، وحين يأخذ ابنه إلى المدرسة في اليوم الأول بعد مغادرة زوجته، يسأله: "في أيّ صف دراسي أنت؟!". السيّد "كريمر" لم يكن يعرف ذلك!!

الفيلم يُبعِد السيّدة "كريمر" عن الشاشة لبعض الوقت، وتُتاح الفرصة للأب وابنه ليتعرّفا على بعضيهما بشكل أفضل. المسئولية تُثقل كاهل السيّد "كريمر" ممّا يصل الأمر في نهاية المطاف إلى إقالته من الشركة. هذه المَشاهد هي الأروع في الفيلم، والمخرج والكاتب "روبرت بينتون" زوّد شخصياته بحوارٍ متقن يتغذّى على التفاصيل اليومية الدقيقة في حياتنا، وأمّا السيّد "كريمر" وابنه "هنري" قرّرا الارتجال قدر الإمكان. يتّم ضبط المواقف وترك الحرية المُطلقة للطفل في الرد، وبهذه الخطوة الحكيمة من المخرج نقل لنا لحظاتٍ عفوية مميّزة من واقع الحياة.

ما يعنيه ذلك هو أنّه يمكننا رؤية الأب وابنه وهما مجتمعين سوياً وقريبين من بعضهما. لا أعتقد أنّ فيلماً آخر يستطيع رصد هذه العلاقة كالتي نراها في هذا الفيلم. إنّه فيلم واقعي حول أشخاصٍ حقيقيين يتّخذون قرارات حقيقية، ويصبح الأمر مؤكّداً حين تصل القصة إلى قمّة ذروتها بعودة السيّدة "كريمر" وإعلانها أنّها مستعدة للمطالبة بحضانة ابنها.

بوصولنا لهذه النقطة، ليست لدينا أيّة رغبة باختيار أحد الجانبين. قد تميل عواطفنا لناحية الأب بعد أن شاهدناه وهو يتغيّر إلى الأفضل خلال وقتٍ قصير، ولكن الآن نحن فقط نتصرّف كشهودٍ على الدراما، وقد شجّعَنا الفيلم على أن نُدرك أنّ هؤلاء الأشخاص عميقون ومعقّدون بما فيه الكفاية، كما هي حال كل البشر، ولا يمكننا تحديد مشاعرهم ودخول أحاسيسهم وبالتالي لا نستطيع أن نحكم عليهم بناءاً على الأمور الظاهرة. مشاعر الإنسان هي أكثر الأمور تعقيداً وخطورة، ولذلك يجب أن نحرص جيداً في التعامل معها قدر الإمكان.

أداء الممثلين رائع للغاية، والفنان "داستن هوفمان" قدّم شخصية السيّد "كريمر" بشكلٍ عفوي وواقعي جداً، ونشعر حقاً بالتعاطف معه على الرغم من غرابة أطواره وتقلّب شخصيته في خط سير القصة. الفنانة العظيمة "ميريل ستريب" أبدعت في ثالث ظهورٍ سينمائي لها في شخصية السيّدة "كريمر" التي قدّمتها بأسلوب مميّز وغنّي بالمشاعر الحزينة والغاضبة والحنونة.

حاز الفيلم على 5 جوائز أوسكار بعام 1979 لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نص سينمائي مقتبس وأفضل ممثل "داستن هوفمان" وأفضل ممثلة مساعدة "ميريل ستريب". كما ترشّح لجائزة أفضل تصوير وأفضل مونتاج، والنجمة "جين أليكساندر" ترشّحت لأفضل ممثلة مساعدة عن دورها المميّز لشخصية الجارة "مارغريت"، والمفاجأة الكبرى هي ترشّح النجم الموهوب "جستن هنري" لأفضل ممثل مساعد عن دور الطفل "بيلي"، وبذلك حقّق رقماً قياسياً بكونه أصغر شخصٍ يترشّح لجائزة الأوسكار وهو في الثامنة من عمره، وقد أبدع حقاً في تقمّص الشخصية.

المخرج "روبرت بينتون" يوفّر قدراً كبيراً من الاهتمام على الفوارق الدقيقة للحوار. إنّ الشخصيات لا يتحدّثون مع بعضهم البعض وحسب، ولكنّهم يكشفون أموراً عن أنفسهم، ويمكن رؤية ذلك في محاولات التعرّف على دوافعهم الخاصة، وهذا ما يجعل فيلم "كريمر ضد كريمر" مؤثّراً للغاية. على مشارف النهاية، يلتقي السيّد "كريمر" بالسيّدة "كريمر"، ويقول لها: "لماذا لا تصعدين للأعلى وتقابلين بيلي وأنا سأنتظر هنا؟". تمسح دموعها وتقول: "كيف أبدو؟". يقول لها: "تبدين رائعة!!".