الاثنين، 4 نوفمبر 2013

The Apartment 1960


The Apartment

التحفة الكلاسيكية لـ "بيلي وايلدر" حول الوجوه المتعدّدة للسعادة والتعاسة

 

هناك موجة من الكآبة تمرُّ خلال فترة الأعياد بين الأشخاص الذين لديهم مكان يذهبون إليه والأشخاص الذين يلازمون أماكنهم. فيلم "الشقّة" مؤثّرٌ جداً لذلك السبب الدفين. تدور أحداثه في أقصر أيّام السنة، حين يهبط الظلام بسرعة والشوارع يكسوها البرد وحين يعود بعض الأشخاص بعد انتهاء حفلة العيد بمقرِّ العمل إلى منازلهم للبقاء مع عائلاتهم، والبعض الآخر يتوجّهون إلى الشقق ولم يكلّفوا نفسهم "عناءَ" نصب شجرة العيد. أكثر من أيّة ليلة أخرى من السنة، يشعر الشخص الوحيد بأنّه سُلِبَ من شيءٍ كان يجده في طفولته، ولم يعد موجوداً بعد الآن.
نُقابل البطل "سي سي باكستر"، وهو شاب وحيد يعيش في "الشقّة"، وما يدعو إلى السخرية هو أنّه لا يستطيع الذهاب إلى شقتّه في أغلب الأحيان، وذلك لأنّه جرت العادة بأن يستعيرها المدراء التنفيذيون في الشركة التي يعمل فيها للسهرات الخاصة. بشكل ما يُصبح المسئول عن سلسلة علاقاتهم الغير مشروعة، وهم يحاولون إرضاءه بتلميحات حول العلاوات والترقيات. جاره الطبيب "دريفوس" يستمع ليلياً لضحكات العشّاق وضجيجهم من خلال الجدران، فيعتقد أنّه عاشقٌ ليس له مثيل، في حين أنّ "باكستر" يسير على الرصيف المقابل وينظر باستياء إلى نافذة غرفته المضاءة.
عندما قام الفنان "بيلي وايلدر" بإخراج فيلم "الشقّة" بعام 1960، كانت قضية "الرجل العامل" حديث الساعة. تُظهر المشاهد الافتتاحية "باكستر" كموظف في حشدٍ كبير من عبيد الأجور، ويعملون جميعاً في غرفةٍ مكاتبها موضوعة في صفوفٍ متوازية إلى ما لا نهاية. يريد المخرج أن يبيّن كيف يُعامَل آلاف الموظفين باحتقارٍ ولا مبالاة في الشركات القاسية.
"باكستر" ليست لديه صديقة، ولا حتى عائلة على ما يبدو، وهو يحلم بوظيفة أفضل ومكتبٍ خاصٍ به. في أحد الأيّام يتغلّب على خجله ويطلب من إحدى فتيات المصعد أن تخرج معه. إنّها الآنسة "كوبليك"، والتي تقبل بالأمر في آخر لحظة ومن غير اقتناع بعد مرورها بأزمة عاطفية مع السيد "شيلدريك"، وهو أحد المدراء في الشركة. ظنّت لوهلة أن علاقتها مع المدير قد انتهت، ولكن يبدو الآن أنها لا تزال قائمة، ويظلّ يخبرها أنّه سيطلّق زوجته من أجلها، ولكنّه يراوغ.
النص السينمائي بقي على توازنٍ دقيق بين المهزلة والحزن، ومن خلال الأحداث نشعر أنّ "باكستر" والآنسة "كوبليك" بينهما نوع من الإعجاب ومشاعر حقيقة قد تقود تلقائياً لعلاقة حب صادقة. إنّهما عبيد في نظر الشركة القاسية، و"باكستر" يريد أن يكون مساعداً للمدير، و"كوبليك" تريد أن تكون زوجةً للمدير. كلاهُما يُخدَع بمفهوم كلمة "مدير"، ولا يستطيعان رؤية السيد "شيلدريك" على أنّه شخصٌ غير جديرٍ بالثقة بتاتاً.
فيلم "الشقّة" هو كوميديا تهكّمية ساخرة يغمرها الحزن، ولا نرى أفلاماً بهذا الهيكل الغريب، ولكن المخرج والكاتب "بيلي وايلدر" هو سيّد الإبداع في الأفلام ويصعب تصنيف أفلامه ضمن فئة معيّنة بسبب الأسلوب المميّز الذي يبني عليه القصص. الفنان الراحل "جاك ليمون" قدّم أحد أجمل أدواره السينمائية، وشخصية "باكستر" مميّزة بإظهاره كموظّف مواظب على عمله ومتملّق أحياناً، وللجيران كشخصٍ غريب الأطوار، وللآنسة "كوبليك" كصديق ومُنقذ وعاشق. "بيلي وايلدر" و"جاك ليمون" هما ثنائيٌ رائع، وقد قدّما معاً كمخرج وممثل 7 أفلامٍ مميّزة، وأشهرها الفيلم الرائع "البعض يفضّلها ساخنة".
الفنانة "شيرلي ماكلين" أبدعت في أداء شخصية الآنسة "كوبليك" بملامحها الساذجة، وأثبتت خلال مسيرتها السينمائية الطويلة أنّها نجمة موهوبة بالظهور في أدوارٍ متنوعة ومختلفة. الأمر المميّز فيها أنها لا تُظهِر الآنسة "كوبليك" كفتاة تنجذب للكلام المعسول، بل كفتاة انْطلت عليها الأكاذيب مِراراً في الماضي، والتي تمتلك قلباً طيّباً ولكن صبرها محدود. إنّها تستعد لتقديم التنازلات اللازمة لكي تصبح السيدة "شيلدريك" القادمة، والجديّة التي تكمن خلف أداء "شيرلي ماكلين" تساعد على إرساء الصورة ونشعر بالخطر النفسي الذي يحيط بها.
بعد مرور أكثر من 50 عاماً، لا يزال فيلم "الشقّة" يحتفظ بشعبية كبيرة لدى عشّاق السينما، لأنه فيلم واقعي نادر يعالج قضايا مهمة بأسلوب مميّز. المخرج "بيلي وايلدر" تغمره العاطفة ويمتلك حسّ الشعور بالآخرين، فغالباً ما نرى شخصياته من منظور مختلف، وخير مثال هي شخصية رجل الأعمال "لينوس لارابي" التي أدّاها الفنان الراحل "هامفري بوغارت" في فيلم "وايلدر" السابق "سابرينا" والذي لا يقل روعة عن هذا الفيلم. لم نستطع تحديد ملامح تلك الشخصية على عكس شخصية "سابرينا" التي أظهرتها الفنانة المذهلة "أودري هيبورن" بكل عفوية وبراءة. فيلم "الشقّة" يبيّن مدى أهميّة الوظيفة وشعور الموظف تجاهها وكيف يحاول وبشتّى الطرق تحقيق ما هو أفضل في حياته، وإن كان الأمر يتطلّب استخدام أساليب ملتوية. حقّق الفيلم نجاحاً منقطع النظير في فترة عرضه وقد حاز على 5 جوائز أوسكار لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نص سينمائي أصلي وأفضل مونتاج وأفضل تصميم مواقع، وترشّح لنيل 5 جوائز أخرى لأفضل ممثل "جاك ليمون" وأفضل ممثلة "شيرلي ماكلين" وأفضل تحرير صوتي وأفضل مونتاج وأفضل ممثل مساعد "جاك كروشن" عن أدائه الرائع لشخصية الطبيب "دريفوس". "فريد ماكموري" أضاف للفيلم نكهة مميزة بظهوره في شخصية المدير "شيلدريك".
السبب الرئيسي في روعة الفيلم هو التفاعل بين "باكستر" والآنسة "كوبليك". هناك الكثير من عناصر الانجذاب تجاه أحدهما الآخر، وليست بالضرورة أن تكون جسدية، وعلاقتهما لا تستند على المظاهر الخارجية، بل على نفوسهما المتقاربة. بعد كل شيء، العنصر الحاسم في توليد شيءٍ أكثر عمقاً من مزاحهما اللطيف وروحِهما المرِحة هو "محاولة انتحار" غير متوقّعة. إنّهما يكشفان الكثير من الأمور لبعضهما الآخر خلال تلك الـ 48 ساعة في شقّة "باكستر"، ولا يدركان ذلك إلى أن تفرّقهما الأحداث.
 


 

Ella Enchanted 2004


Ella Enchanted

ما هي ضريبة الوقوع تحت تأثير "تعويذة الطاعة" ؟؟

 


"إيلّا المسحورة" هو فيلم سحري، مقتبس من رواية الكاتبة "غيل كارسون ليفين". إنّه فنتازيا بريقها المسّرات، وكثيرٌ من المرح قد تولّد لأنّ الفيلم يتشكّل في عالمٍ من أجزاء مختلفة. جزء من "سندريلّا"، وجزء من "الجميلة النائمة" وجزء من "شْريك"، وجزء من "الأميرة العروس". كما أنّ هذا الفيلم يمثّل فيه "كاري إلويس" بطل فيلم "الأميرة العروس"، وقد كَبر كثيراً على دور الفارس الشجاع، وانتهى به المطاف ليصبح هنا الأمير الشرير "إدغار"، الذي قتل شقيقه الملك، والآن يهدف للقضاء على ابن أخيه الذي سَيَرِث العرش. هذا الأمر يجعلنا نضيف جزأين آخرَيْن في هذا العالم السحري. جزءٌ من "هاملِت" يعبر جزءاً من "ماكبِث".
الفنانة الشابة "آن هاثاوي" تؤدّي شخصية "إيلّا" التي منذ ولادتها تقع تحت تأثير تعويذة سحرية من قِبَل العرابّة الجنيّة "لوسيندا". في هذه المملكة، الجميع يحصل على تعويذة سحرية خاصّة به، ولكن ما تحصل عليه "إيلّا" مزعجٌ حقّاً. لقد وُهِبَت تعويذة الطاعة، ممّا يعني أنّها "يجب" أن تفعل "كل" ما يُطلب منها. تكبُرُ "إيلّا" وهذه التعويذة تصبح مشكلة حقيقية بالنسبة لها، خصوصاً بعد قيام والدها بالزواج من امرأة أخرى بعد موت والدتها. يتزوّج السيدة "أولغا" الشريرة، وهي الأخرى لديها ابنتان مغرورتان، "هاتي" و"أوليف".
إذاً، نحصل على قصة "سندريلّا" الآن، ولكن بشكل مبتكر، لأنّ "إيلّا" فتاة مناهضة وتطالب بتوفير جميع الحقوق المدنية في المملكة، وتعتقد أنّ الأمير "إدغار" مخطئ بإجبار ممن هم ليسوا من البشر بمغادرة المدينة والعيش في الغابة. هذا يشمل العمالقة والغيلان والأقزام.
تذهب "إيلّا" إلى الغابة في أحد الأيام، وحين يقبض عليها الغيلان، يقومون بوضعها فوق مرجل يغلي ويهيّئون أنفسهم لوجبة الغداء. يسألها الغول: "كيف تريدين أن تؤكلي؟ محمّصة أم مسلوقة؟! وهي تجيبه: "كما يحلو لك"!!
"إيلّا" تشرح لهم أنّها تقف في صفّهم، وبما أنّها تريد أن تضع حدّاً للتمييز العنصري، تقوم بالذهاب في رحلة بصحبة كتاب ناطق يدعى "بيني"، والذي هو الآخر وقع تحت تعويذه شريرة جعلته يعيش حبيساً داخل الكتاب. بفتح صفحات الكتاب، يستطيع "بيني" أن يريها أي شخص تريد أن تراه، ولكن قواه محدودة ولا يستطيع إخبارها بمكان الأشخاص أو كيفية الوصول إليهم.
تقابل "إيلّا" الأمير اللطيف "شارمونت"، وتقع في حبّه من أول نظرة، وتتعرّض لمكيدة خبيثة في القصر. الأمير "إدغار" يسعى لقتل ابن أخيه كي يستولي على العرش، وعلى الرغم من أنّ "إيلّا" تكتشف هذا الأمر، إلاّ أنها لا تستطيع فعل شيء وهي تحت تأثير تعويذة الطاعة، وتكتشف ابنة زوجة أبيها سر هذه "اللعنة"، وتستغل الأمر لجعل الأمير "شارمونت" ينفر من "إيلّا".
مَشاهد الفيلم مبهجة للغاية، والمؤثرات البصرية تخلق جوّاً سحرياً بإظهار المملكة بهذا الجمال، حيث تمتزج مباني العصور الوسطى بالتصميم الكارتوني الجرافيكي المميز الذي يشعرنا بساحرية المكان. الفيلم من إخراج "تومي أوهافر"، وقام بكتابة النص السينمائي خمسة كتّاب مختلفين، والذين نقلوا الرواية بشكل جميل ومميّز. النجم "هيو دانسي" لعب دور الأمير "شارمونت" بشكل ملفت ومميز، حيث أنّ مظهره وطريقة حديثه تلائم شخصيته. بقيّة النجوم قدّموا أدوارهم بشكل جميل وظريف وساخر.
النجمة  "آن هاثاوي"، رائعة ولطيفة ومشرقة، إذ لديها تلك الابتسامة الطفولية التي تناسب دورها، وفي هذا الفيلم تنغمس في حبكة بارعة وشريرة. نشعر بحيويتها وسعادتها ومرحها في هذه الشخصية. هذا هو شعور كل من يشاهد الفيلم. إنّه واحدٌ من أجمل الأفلام العائلية على الإطلاق.
 


 

Becoming Jane 2007


Becoming Jane

بين العقل والعاطفة والكبرياء والتحامل كانت هناك حياة تستحق الكتابة عنها

 



كتبت "جين أوستِن" في حياتها القصيرة أجمل ست روايات في الأدب الإنجليزي، وتحوّلت تلك الروايات إلى أفلام سينمائية رائعة. حين نقرأ لـ "جين أوستِن" ندخل من جديد إلى ذلك العالم الجميل بعقله وعاطفته وكبريائه وتحامله، ونجد الكثير من الفكاهات والمفارقات في حياة المجتمع الغربي في نهايات القرن الثامن عشر. فيلم "أن تصبحي جين" يروي قصتها.
الأحداث تدور حول علاقة عاطفية بين "جين" وهي في العشرين ومحامٍ شاب وسيم ومفلس يدعى "توم ليفروي". "جين" تكتشف الحب، وفي هيكل هذا الفيلم تكتشف أيضاً موضوعاً بارزاً لحبكة رواية "كبرياء وتحامل"، وتبدأ مع السيد "ليفروي" بتحويل شخصيته الحقيقية إلى شخصية السيد "دارسي"، ولحسن حظها تستطيع التوصّل أيضاً إلى الكلمات الافتتاحية للرواية: "إنّه لأمر معروف أنّ أي رجل أعزب لديه ثروة، يتوجّب عليه أن يتزوّج".
"جين" تظهر من بداية الفيلم ككاتبة روائية، ونراها وهي جالسة وتكتب. الكاتبة "فيرجينيا وولف" كتبت سابقاً: "على المرأة أن تمتلك مالاً وغرفة خاصة إذا أرادت أن تكتب رواية". لكن "جين" لم تمتلك المال أو الغرفة الخاصة، فقد ظلّت تكتب رواياتها في غرفة الجلوس إلى آخر حياتها، ونظل نتساءل كيف لها أن تحبك خيوط الأحداث ولا تنقطع حبال أفكارها وهي تجلس في غرفة ليس فيها خصوصية والإزعاج يعم المكان!! لكن في الفيلم، كغيره من الأفلام، الكتابة تتدفّق بسهولة والحياة صعبة، وعندما نكون في الواقع، نجد الحياة صعبة والكتابة أصعب. "جين" تكتشف هذا الأمر في أحد أجمل مَشاهد الفيلم.
الفنانة "آن هاثاوي" مذهلة الجمال بابتسامتها الرائعة، وتجعل من "جين" إنسانة رقيقة المشاعر كما عهدناها في رواياتها المميّزة. إنّها تبدع في تقمّص الشخصية وتتيح للمشاهدين رؤية عظمة "جين" في حياتها القصيرة الحافلة بالأحداث. الفنان "جيمس ماكافوي" ينقل أناقته واندفاعه لشخصية السيد "ليفروي" بشكل رائع. "جولي والترز" و"جيمس كرومويل" يؤديّان دوري والديّ "جين" بشكل لافت ومميّز، ولا ننسى الفنانة المخضرمة "ماغي سميث" بإطلالتها الجميلة في شخصية الأرملة الغنية "غريشام".
المخرج "جوليان جارولد" تمكّن من رصد حياة "جين أوستِن" بالشكل المطلوب، وكذلك الكاتبان "كيفن هود" و"سارا ويليامز" قاما بعمل مذهل ببناء المادة النصية للفيلم باستنادهما على رسائل "جين" الخاصة. الموسيقار "إدريان جونستون" ينقلنا بموسيقاه العذبة إلى ذلك العصر المميّز. طاقم الفيلم جميعهم قاموا بأداء مهامهم على أكمل وجه لإظهاره بهذه الروعة. تم إنتاج الفيلم بعام 2007.
مشكلة السيد "ليفروي" هي أنّه يعتمد مادياً على عمّه الذي يهدّده بقطع المصروف ويعقّد مسألة زواجه. "جين" لديها شخص مرشّح للزواج منها ويدعى السيد "ويزلي"، والذي يمتلك المال ولكن ليس الجمال والجاذبية. تشعر "جين" بحاجة ماسّة لإعانة أسرتها، لكنها تؤمن وبتفاؤل أنها قادرة على ذلك من خلال مدخول كتاباتها. السيد "ليفروي" لا يحتمل أن يفقد مصروفه الذي يعيش عليه، وفي نفس الوقت حبّه يزداد لـ "جين"، فهل يستطيعان العيش معاً في ظل هذه الظروف المعقّدة؟؟
قد يدور في أذهاننا تفسير عنوان الفيلم "أن تصبحي جين"، فهل يُقصَد به أن تصبح "جين" امرأة؟؟ أو كاتبة؟؟ أنا أظن أنّه من خلال مشاهدة هذا الفيلم سنعرف من هي "جين" المرأة ومن هي "جين" الكاتبة. إنها امرأة رقيقة وحنونة ولطيفة وذكية، وأيضاً كاتبة موهوبة ومتألقة. نصل اليوم إلى عنوان جديد وهو "ما أصبحت عليه جين". لقد أصبحت أيقونة في الأدب الروائي العالمي برواياتها الرائعة التي لا تزال تلقى رواجاً وتُباع في المكتبات حول العالم، وقد تحولّت إلى أفلام سينمائية وتلفزيونية بنسخٍ مختلفة. توفيت "جين" وهي في الثانية والأربعين من العمر بعد أن أصيبت بالمرض تاركة خلفها تحف أدبية أبقتها حيّة في قلوب المعجبين.
نصل إلى مشهد مؤثر بين "جين" والسيد "ليفروي" حين يقول لها: "لا أمتلك المال أو الأملاك، وأعتمد بشكل أساسي على عمّي العجوز، ومع ذلك لا أستطيع طلب يدكِ للزواج، ولكن يجب أن تعرفي ما أشعر به. جين، أنا لكِ قلباً وروحاً".
 


 

الأحد، 3 نوفمبر 2013

Ladies in Lavender 2004


Ladies in Lavender

حين يعزف الكمان على أوتار العُمر الذي مضى

 


عنوان فيلم Ladies in Lavender هو عنوانٌ تعيسٌ لفيلم فتراتي خلّاب، والذي يعني: "سيّدات في الخزامي"، ويشير ذلك إلى نبتة "الخزامي" أو "اللافيندر" التي تضعها المسّنات عادّة في الأدراج والخزانات. الشقيقتان المسنّتان هما "جانيت" و"أورسولا" ، وهما أيضاً نبتة "الخزامي" إنْ فهمتهم ما أقصده.

يدور الفيلم حول هاتين الشقيقتين اللّتين تعيشان في منزلٍ ناءٍ على ساحل "كورنوول"، وكاتب النص السينمائي والمخرج "تشارلز دانس" قد اتخذ أفضل قرار حين اختار أعظم نجمتين في بريطانيا لأداء دورَي البطولة. كل إيماءة وجه من "جودي دنش" و"ماغي سميث" تستحق المشاهدة، لأنهما تضيفان نسيجاً جميلاً للفيلم بقدر ما تضيفه اللقطات الأخّاذة لقرى ومدن وسواحل جنوب غرب إنجلترا. إنّ تعبيراتهما خرائطٌ نسير وفقاً لها، وعيونهما مرايا لأرواح الشخصيات الأخرى أكثر من شخصيتيهما.

تم إنتاج الفيلم بعام 2004، وقد اقتُبِسَ من قصة قصيرة لـ "ويليام جي لوك". شاب غريب تقوده الأمواج إلى الساحل بالقرب من منزل الشقيقتين، ويُستَنجدُ بالجيران للمساعدة في نقله، ويُستدعى طبيب القرية لإسعافه بغرفة الضيوف في منزلهما. إنّ الجروح تملأ جسده ومن بينها كسرٌ في كاحله، مما يلزمه ذلك للبقاء في تلك الغرفة الصغيرة لفترة طويلة.

إنْ كانت الشقيقتان أصغر سنّاً، سيكون الوضع مخزياً في البقاء طوال هذه الفترة مع شاب غريب بغاية الوسامة، ولكن كما يُقال: "إنّنا جميعاً في نفس العمر من الداخل"، و"أورسولا" تجد نفسها منجذبة بشدة لذلك الشاب، كأي فتاة مراهقة مفتونة بطالبٍ معها في المدرسة، رغم أن المنطق يقول لها - وهي تنظر إلى تجاعيد وجهها في المرآة وكذلك حين تحاول الوقوف بصعوبة على ساقَيها الضعيفتين – أنّها امرأة مسنّة، والمسّنات لا شأن لهنّ في التفكير بمثل هذه الأمور.

تلاحظ "جانيت" ذلك، وتسرع للاستطلاع والتوبيخ. بطرق مختلفة تتنافس كلٌ منهما على جذب اهتمام الشاب. "جانيت" تستطيع التواصل معه بالألمانية وإنْ كانت لا تجيدها تماماً، وأيضاً تمسك له المرآة أثناء قيامه بحلاقة ذقنه وقصِّ شعره، ومن جانبها تندفع "أورسولا" كذلك للتواصل معه وتقوم بكتابة اسم كلّ شيء في الغرفة على قصاصة ورق، وتمضي قُدماً في تعليم الشاب "آندريه" اللغة الإنجليزية. اعتادت "جانيت" العزف على البيانو، ويبدو أنّ "أندريه" لا يحتمل ذلك، ويخفي ردّه الفعل بقوله أنّه يفضّل موسيقى الكمان، ويتّضح لاحقاً أنّه عازف موهوب.

هنا بالتحديد تتعقّد الأمور. عزف "أندريه" يجذب سائحة روسية شابة، و"أورسولا" تشعر فوراً أنها تقف أمام منافِسة شرسة. إنّ عزفه الرائع يصل لمداخل القرية بأكملها مثل حصاة ملساء تتقافز في الماء. الأمر سيئٌ بما فيه الكفاية، حيث أنّ على الشقيقتين "تقاسُم" هذا الشاب مع سكّان القرية، والأمر الأسوأ هو تخيّل أنّه قد يقع في حب تلك الشابّة الروسية ويتركهما. تقول "أورسولا" بغضب: "إنها تخيفني، وتبدو كالساحرة الشريرة في القصص الخيالية".

الأحداث تدور في نهاية الثلاثينيات، وتحديداً قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، والحياة الروتينية المملة التي تعيشها الشقيقتان لم تلمّح أبداً لما سيحدث من أمورٍ قد تقلب حياتهما رأساً على عقب. نعلم أن "جانيت" كانت متزوجة وقد فقدت زوجها في الحرب العالمية الأولى، أمّا "أورسولا" فقد كانت وحيدة طوال الوقت ولم تختبر الحب والزواج، ولذلك نجدها حسّاسة جداً وحزينة. "آندريه" ليس حورية بحر أو ما شابه، وعلى ما يبدو أنّه فرّ هارباً من التجنيد. يقوم بإخبارهما أنّه كان متّجهاً إلى أمريكا عندما عثروا عليه. فهل كان يخطط للذهاب إلى هناك سباحةً؟!

الفنان "دانييل برول" أبدع في تقمّص تلك الشخصية الغريبة، واستطاع تفعيل عنصر الغموض في شخصيته وفي عقول المشاهدين. نحن لا نعرف من هو وماذا يريد ومن أين جاء!! الغموض والشك يحيطان به من كل جانب. عندما تقوم "أورسولا" بتدفئة ملابس النوم لـ "آندريه" عند النار وثم تتسلّل إلى غرفته وتشاهده وهو نائم في تلك الملابس، لا تستطيع وصف شعورها ما إذا كانت سعيدة أو حزينة. الأمر الغريب هو اعتقادها أنّه سيبقى في منزلهما القديم إلى الأبد، كالعصفور السجين.

أعجز عن وصف روعة الفنانتين المذهلتين "جودي دنش" و"ماغي سميث"، فهما روح الفيلم وقلبه ومن غيرهما لن يكون أبداً بهذه الروعة. بينما تصل الممثلات إلى حالة الهلع واليأس عندما لا يتبقى لهن شيء في أفلام السينما سوى أدوار "المرأة العجوز"، لا نجد "جودي دنش" أو "ماغي سميث" تبدوان قلقتين حول ذلك. إنّهما تَعِيان تماماً أنّ الحيلة لا تكمن في تمثيل "العمر" بل في تمثيل "الشخصية". أفضل السنوات ليست وراءهما، بل بِداخلهما.

النجمة "ناتاشا ماكيلون" كان أداؤها مميّز في الفيلم، مع أنّ الشقيقتين شعرتا بالاستياء، فهي كما تعلمون الشابة الروسية التي تنجذب لـ "آندريه". وجود الفنانة الكوميدية "ميريام مورغوليس" كان رائعاً، لأنها تضيف للجو الحزين كمّاً من المرح والكوميديا العفوية في شخصية الخادمة "دوركاس" بمنزل الشقيقتين.

الفنان "تشالرز دانس" الذي اشتهر كممثل سينمائي، خاض هنا تجربته الإخراجية الأولى والوحيدة، فقد قرّر فجأة إنجاز هذا الفيلم الذي كتب نصّه وأنتجه، وأرى أنها تجربة ناجحة وأتمنى مشاهدة أعماله القادمة. الفيلم مليء بالمفاجآت وأكثرها غرابة هي الحبكة المتواضعة التي استحوذت على اهتمامنا. الحفلة الموسيقية رائعة بشكل يصعب وصفه ونحن نستمع لموسيقى عازف الكمان العظيم "جوشوا بيل".

هذا الفيلم البسيط وصل إلى القمّة من غير السرد المفصّل أو المقدّمات المملة أو الشخصيات المتقلّبة، مثل الهدية الغريبة التي جاءت من البحر والتي أثّرت على قرية كاملة بطريقة سحرية. نرى أجمل الذكريات في عينَي "أورسولا" وهي تستمع للكمان الذي يعزف على أوتار عمرها الذي مضى، ونشعر بها جميعاً وهي تعيش لحظات الرجاء، وتتملّكنا رغبة في البكاء.
 


 

Shadowlands 1993


Shadowlands

قصة حياة الكاتب الإنجليزي "سي إس لويس" وحُبِّه الخريفي

 

لسنوات عديدة كانت حياته تسير على نمطٍ مريح. إنّه مُدرّسٌ وكاتب، وكذلك "أعزب" يعيش في منزله مع شقيقه الوحيد. من خلال كتاباته المخصّصة للأطفال وقصصه الخرافية وتدّينه، كسب مؤيدين كُثُر، وراح يلقي العديد من المحاضرات حول منزلة الإنسان عند ربّه، وبعدها دخل إلى حياته أجمل شيء، وهو الحب.
الأحداث مبنية في الواقع على قصة الحب الخريفي بين الكاتب الإنجليزي "سي اس لويس" وامرأة أمريكية مطلّقة تدعى "جوي غريشام". التقيا بعد أن كتبت له رسالة إعجاب، وقادت المراسلات إلى قيامها بأول زيارة لإنجلترا مع ابنها الصغير. "لويس" المستقر في حياته والمنغمس في روتين التدريس، استقبلها مجاملةً، وأدرك بصعوبة ما يجب أن يفعله بعد أن اتّضح بأنّه وقع في الحب.
الفيلم وجد الممثلَيْن المثاليَيْن لتأدية دورَيْ الزوجَيْن الغير مثالِيَيْن، وهما: الفنان المخضرم "أنتوني هوبكينز" والفنانة "ديبرا وينغر". هو خجول أحياناً لدرجة أنّه يكون معقودَ اللسان. إنّه يقوم بإيماءات ويتردّد في الكلام وينظر جانباً، ويتوارى خلف صيغ المجاملة. هي أكثر جرأة منه، وصريحة جداً وتفاجئه أحياناً بأنها تتحدث بصوتٍ عالٍ ومن دون تردّد، وتقول أموراً يفكرّان بها معاً في نفس الوقت. أتحدثُ عن الأمور التي لن يقولها "لويس" أبداً. "جوي" ترى الروتين الحاد في حياة "لويس" من خلال العشاء اليومي في قاعة الطعام بالجامعة، والأمسيات أمام المدفأة، والقراءة على أنغام الموسيقى الكلاسيكية التي تذيعها محطّة BBC. إنها لا تسعى لإلقاء "القبض" عليه، بل تريد دخول عالمه واستكشافه. هو يكتشف أنّه لا يستطيع تصوّر حياته بعيداً عنها.
تودّدهما هو أمرٌ غريب حقاً. حين يدعوها للقيام بشيء، يقوم بذلك بشكلٍ ضعيف وكأنّه يعرف بالتأكيد أنّها لن تقبل أبداً. إنّه خائفٌ جداً من الزواج ولا يعرف ماذا  يجب أن يفعل وكيف ستكون حياته. "لويس" كان مقنعاً جداً في كتاباته ومحاضراته، ويعرف الغاية من المعاناة والألم: "إنّها طريقة القدر في حمايتنا، بإبعاد الأجزاء الخاطئة حتى تستمر الحياة، وترك الروح مستعدة لحياة الآخرة".
حين تصاب "جوي" بمرض السرطان، وحين تجد نفسها في ألمٍ فظيع، يجد "لويس" نفسه غير واثقٍ تماماً من نظريته، وبمواجهة احتمال افتراقهما، يخلقان معاً فكرة "حياة البشر على الأرض" التي تريحه وتواسيه أكثر من نظرياته الأخرى. إنّه رجل مؤمن، وفي لحظة ما يفقد إيمانه بكل شيء، ثم يدرك أنّه لن يستطيع أن يحيى من دون الإيمان والحب.
"شادولاندز" الذي أخرجه المبدع "ريتشارد أتينبورو" واقتُبِسَ من نصٍ مسرحي لـ "ويليام نيكلسون"، هو فيلم رائع ومؤثّر، وجُسِّدَ بشكل جميل. يوضح للمشاهدين أنه ليس كل من يقع في الحب يكون مدفوعاً برغبة جسدية، فأحياناً تكون الرغبة في عقلٍ آخر وفكرٍ آخر، وجمالٍ داخلي. الرائع "أنتوني هوبكينز" الذي أتحفنا بأداء مميز آخر في فيلم "بقايا النهار" والذي عُرِض في نفس الفترة بدور السينما عام 1993، وأدّى فيه دور كبير الخدم المنغلق تماماً على نفسه والذي يخاف من الحب ولا يكشف عن مشاعره، نجده في "شادولاندز" يقدّم دوراً مكمّلاً بشخصية الرجل الذي يفاجِئ نفسه بإيجاد الشجاعة للحب.
الفنانة "ديبرا وينغر" لا تقل روعة عنه، فقد هيّأت كل العواطف والمشاعر الهادئة في خلق شخصية "جوي غريشام"، المرأة التي وقعت في حب رجل من خلال كتاباته. شخصيتها تمر بالعديد من التحوّلات الحسّاسة، وحين تلتقي به تدرك حالاً أنّه ليس قانعاً وراضياً كما هو يعتقد. هي تؤمن بأنّ إسعاد شخصٍ ما من أهم أهداف الحياة.
الفيلم رائع جداً بكل عناصره الفنية، والمخرج "أتينبورو" تمكّن من تهيئة الأجواء الملائمة لإظهار الفيلم بهذه الصورة المذهلة، والموسيقار "جورج فينتون" أضاف لمساته الموسيقية الرقيقة التي أبهرت المشاهدين. ترشّح الفيلم لنيل جائزتَيْ أوسكار لأفضل ممثلة "ديبرا وينغر" بشخصية "جوي غريشام" وأفضل نص سينمائي مقتبس.
"أنتوني هوبكينز" ترشّح هو الآخر لجائزة أفضل ممثل في نفس العام ولكن عن دوره في فيلم "بقايا النهار" الذي لا يقل روعة، ومع ذلك حاز على العديد من الجوائز عن دوره في هذا الفيلم، ولعلّ أهمها جائزة "بافتا" البريطانية. مؤلفات "سي إس لويس" لا تزال تملأ المكتبات ويتهافت الناس على شرائها. سلسلة قصص الأطفال "نارنيا" التي ألفّها تحوّلت إلى سلسلة أفلام سينمائية ضخمة في السنوات الماضية، و أيضاً لاقت نجاحاً لافتاً.
بعد مشاهدتنا لفيلم "غاندي"، أثبت المخرج أنه سيّدُ قصصِ السير الذاتية، وجعل فيلم "شادولاندز" مقنعاً للغاية وغنياً بالمشاعر. هذا فيلم نادر يُدمِع العيون ويرفض "التلاعب" على كل المستويات ويبتعد عن استخدام عناصر الدراما المأساوية، ويعتمد بدلاً من ذلك على السرد والشخصيات.
كان "لويس" دائماً يعتقد أنّ السحر يوجد في الكتب فقط، إلى أن التقى بـ "جوي" التي سحرته بحبّها ولطفها. الفيلم ينجح في حياكة العاطفة والعقل والسرد، ونصل في النهاية إلى نسيجٍ جميل يدعى "شادولاندز".
 


 

Miss Potter 2006


Miss Potter

خيالها الخصب يأخذها إلى المكان الذي تنتمي إليه

 


قد لا تكون "بياتريكس بوتر" مشهورة باسمها اليوم كـ "هاري بوتر"، ولكن مَن مِن الأطفال لا يعرف "الأرنب بيتر"، الذي يعتبر من أشهر الشخصيات في أدب الأطفال الإنجليزي، وقد ابتكرته الآنسة "بوتر". "بيتر" ليس فقط شخصية ابتكرتها، بل هو صديقها أيضاً. فيلم "الآنسة بوتر" للمخرج "كريس نونان" هو فيلم ممتع للغاية ويتناول سيرة حياتها. أكثر المشاهدين سيقدّرون "بياتريكس" كإنسانة رقيقة أكثر من كونها كاتبة ورسّامة.
تم إنتاج الفيلم بعام 2006، وتدور أحداثه في بدايات القرن العشرين مع لقطات سريعة حين كانت "بياتريكس" تنّمي خيالها الخصب وهي فتاة صغيرة في لندن. إنها الآن امرأة في الثلاثين، عزباء وجامحة، وتنشر كتابها الأول "حكاية الأرنب بيتر" بالتعاون مع ناشرها "نورمان وارن" الذي يتكفّل بنشر أعمالها اللاحقة. يقع الإثنان في الحب، وأثناء ذلك، تصبح "بياتريكس" صديقة مقرّبة لـ "ميلي"، شقيقة "نورمان". حين يقوم "نورمان" بطلب يدها للزواج، تبدأ المشكلات. "بياتريكس" سعيدة بالخطبة ولكن والديها مذعوران، ولا يريدان لها أن تتزوج ويفضّلان أن تبقى معهما في المنزل.
فيلم "الآنسة بوتر" يبدو بشكل كبير كرواية لـ "جين أوستِن"، وإن كان في وضع أكثر عصرية. العديد من الأفكار والموضوعات المألوفة حاضرة في القصة. البطلة هي امرأة قوية وحازمة، تتمرّد ضد النقاشات اليومية، وتقع في الحب بطريقة غير معتادة، ووالداها يهتمّان بالوضع الاجتماعي المكتسب من الزواج أكثر من سعادتها. على الرغم من أنّ والدها يبدي قليلاً من الاحترام لرغبات ابنته، إلاّ أنّ والدتها عنيدة ومتسلّطة وتفرض آراءها على الجميع. عشّاق روايات "جين أوستِن" سيجدون الكثير من اللحظات المألوفة من خلال الجو الرائع الذي خلقه المخرج "كريس نونان" وكاتب النص السينمائي "ريتشارد مالتبي" بنقل حياة الآنسة "بوتر".
الفنانة "رينيه زيلويغر" قامت بأداء دور "بياتريكس" بشكل رائع للغاية. تلعب هنا دور امرأة مختلفة تعيش في عالم الخيال أكثر من الواقع. أصدقاؤها هم الحيوانات التي ترسمهم وتكتب القصص حولهم، والمخرج يعبّر عن تعلّقها بما ترسم من خلال جعل الحيوانات تتحرك كما في الأفلام الكارتونية، بحيث نراهم من خلال عينَيْها. "بياتريكس" تعيش في عزلة، إلى أن تلتقي بـ "ميلي"، فهي ليس لديها صديقات، ووالداها فقط يريدان الحفاظ على الوضع الراهن بإبقائها تعمل كخادمة في المنزل.
قصة الحب شُيِّدَت بشكلٍ جميل. هناك بعض العاطفية، ولكن المخرج كان حذراً جداً في عدم التوغّل في هذه المرحلة من القصة لتجنّب التلاعب بمشاعر المشاهدين وإحباطهم، فهذه ليست قصة رومانسية معتادة. الفنانة "رينيه زيلويغر" تظهر بشكل جميل في الشخصية ولا تضع الكثير من مساحيق التجميل، ووجهها يبدو نقياً وطفولياً.
الفنان "إيوان ماكغريغور" يحتفظ بقليل من سحره الصبياني في شخصية "نورمان" كما شاهدناه في الفيلم الموسيقي الرائع "مولان روج"."ميلي" كشخصية ثانوية، أضاف وجودها نكهة مميزة للفيلم، وقد أدّت دورها الفنانة "إيميلي واتسون".
هذا فيلمٌ عائلي مميّز، وقد لا يعجب جميع الأطفال باستثناء المَشاهد القليلة التي تحتوي على حركات كارتونية. البعض قد يقارنه بالفيلم الرائع "العثور على نيفرلاند"، فالفيلمين يدوران حول كاتبَيْ قصصٍ للأطفال، وهناك الكثير من التشابه في شخصيتيهما. "جيمس باري" و"بياتريكس بوتر" عاشا في لندن بنفس الحقبة الزمنية، ومن الغريب أنهما لم يجتمعا معاً.
"الآنسة بوتر" هو فيلم يستحق المشاهدة، والنص السينمائي مذهل ويسير على نحو مترابط. لا توجد هناك رسائل خفية عميقة أو أجندات مكشوفة. التصوير مبهر للغاية وخصوصاً المناظر الجميلة بالقرب من البحيرة، والموسيقى التصويرية ناعمة ورقيقة للغاية. إنه من الأفلام النادرة التي تمتع المشاهدين وتترك لمسة رقيقة على القلب.
 


 

Little Women 1994


Little Women

 نموذج الحياة المثالية لنساءِ القرن التاسع عشر



إنّه اقتباس مذهل ودقيق وراقٍ جداً لرواية "لويزا ماي ألكوت" الشهيرة، وليس فيلماً سطحياً للأطفال كما يظنّه البعض. تتمحور القصة حول عائلة "مارش" المكوّنة من الأم وبناتها الأربع "ميغ" و"جو" و"بيث" و"إيمي".
بما أنّ البنات يحظين بتودّد جارهم الشاب اللعوب "لوري" ومعلّمه الخاص "جون بروك"، وبما أنّ "جو" تقع تحت تأثير أستاذ ألماني يدعى "فريدريك"، فبالتالي هذا الفيلم يدعونا للدخول إلى العالم الجميل لهذه الروائية المبدعة، ونرى كيف أنّ الحياة تبدو ممتدة أمامنا حين نكون صغاراً، وتقدّم لنا فرصاً كثيرة لاختيار مصيرنا.
منذ وقت طويل كنت أرى هذه الرواية نموذج للحياة المثالية وهي حقاً رواية رائعة. أذكر أنّي قرأت "نساء صغيرات" بتركيز كبير. بالتأكيد كنت حينها في المرحلة الابتدائية، ولكن هذه الرواية تبدو وكأنها تنمو مع الوقت، أو ربّما المخرجة "جيليان آرمسترونغ" تطرّقت للمواضيع المهمة ورفضت تبسيط القصة إلى "صيغة عائلية".
يبدأ الفيلم في شتاء عام 1862 أثناء الحرب الأهلية، وأفراد عائلة "مارش" في وضع سيئ، فرجل العائلة يقاتل في الحرب. الأوقات صعبة، والخشب والزيت أصبح الحصول عليهما بشق الأنفس. الفيلم لا يأخذ المسار المعتاد بالتخصيص الواضح للمَشاهد لكل واحدة من البنات، وبدلاً من ذلك نتعرّف عليهن تدريجياً ونفهم شخصياتهن ونرى كيف ينتمين لبعضهن البعض. أقوى شخصيات العائلة هي شخصية الابنة الثانية "جو"، وبأداء قوي ورائع من الفنانة "وينونا رايدر" التي تبدو مرحة وشمس التفاؤل تشع من وجهها. "جو" تريد أن تصبح كاتبة، وتقوم بعمل مسرحيات صغيرة في المنزل وعلى الجميع أن يلعب دوراً فيها، بما فيهم القط.
البنات الأخريات هن "ميغ" الابنة الكبرى الحكيمة، و"إيمي" الابنة الصغرى الفاتنة، و"بيث" الفتاة المسكينة التي يتمكّن منها المرض. ليست هناك تحوّلات صريحة في حياتهن، ولكن هذه هي الرواية المثالية حول النساء في القرن التاسع عشر. نراهم يجلسن ويتناقشن بعمق حول طموحاتهن وما يؤمِنَّ به وحول أحلامهن، ولا ننسى الأمور المتعلقة بزواجهن.
تنتقل "جو" إلى نيويورك وتبدأ بكتابة روايات درامية مليئة بالمآسي بعناوين غريبة مثل "جثة الآثم". تمر الأيام وتقع في حب أستاذ جامعي ألماني يدعى "فريدريك بير"، والذي يأخذها على محمل الجد بما فيه الكفاية لكي ينتقد كتاباتها. إنه يعلم بأنها تستطيع أن تقدّم شيئاً أفضل، وأنا أعلم أنها قادرة على كتابة رواية باسم "نساء صغيرات"، إن أرادت ذلك.
فيلم "نساء صغيرات" هو فيلم مؤثر جداً وشعرت بالدفء بعد مشاهدته، والفضل يعود لإبداع المخرجة "جيليان آرمسترونغ" التي نقلت الرواية بإخلاص وحافظت على مضمونها. التقدير أيضاً للإبداع من الطاقم الفني بأكمله وفي مقدمتهم الممثلات الخمس الذين أوجدن الحب والألفة للعائلة الحقيقية، خصوصاُ الفنانة "سوزان سوراندن" التي أبدعت في أداء شخصية الأم.
ترشّح الفيلم بعام 1994 لنيل 3 جوائز أوسكار لـ "وينونا رايدر" كأفضل ممثلة بأدائها لشخصية "جو" بكل روعة، وترشّح أيضاً لأفضل تصميم أزياء وأفضل موسيقى تصويرية، وقد ألّفها الموسيقار المبدع "توماس نيومان" وقد كانت حقّاً مذهلة ومؤثرة.
الأمور المدفونة في القصة إلى حدٍ ما هي عصرية: كيف تستطيع المرأة أن تحدّد اختيار الطريق الصحيح بين مفاهيم المجتمع للزواج ورعاية المنزل، وبين أحلامها الخاصة بتحقيق شيء مميز حقاً، وكل ذلك لوحدها؟! في أحد الأيام قالت السيدة "مارش": "إنْ كنتِ تشعرين أنّ قيمتكِ تكمن فقط في كونكِ جميلة، أخشى أنه في أحد الأيام قد تجدين نفسكِ في لحظات خداع للنفس وتصدّقين ذلك. الوقت يمر ويسرق هذا الجمال، ولكن ما لا يستطيع سرقته هو الإبداع في عقلكِ". أتّفق معها تماماً.